معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 194
و مودته، يظهر الإفراط في ذمّه وعداوته، خوفا على نفسه من السّلطان. قال محمد بن شرف: ثمّ اتصل أن الواعظ لما فصل عن مدينة قابس قتله رجل من الأعراب في طريقه ذلك، قال جعفر بن محمد بن شرف: لما قتل الواعظ كثر التظني من الناس على السلطان، أنه دسّ عليه من قتله، واختلفوا في الأمر فقوم ينسبون الدّسّ عليه من السلطان، وقوم ينفونه.
قال جعفر بن محمد بن شرف: وبلغني أنه دخل داخل على أبيه أبي الفضل عبد الصمد، وكان واعظا فوجده في آخر مجلسه من الوعظ بجامع ابن العاص بمصر، فنعى له ابنه أبا الحسن محمد الواعظ الشهيد، وأخبره بسبب قتله.
قال: فنعّل قدمه في الحين، وهو يلبّي بالحجّ من مكانه ذلك ولم ينصرف إلى منزله، وتبعه خلق عظيم، فحج ذلك العام، وكان يطوف بالبيت ويتعلق بأستار الكعبة ويصيح ويقول: «يا رب، المعز عليك به! يا رب عليك بابن باديس، فكانت الهزيمة الواقعة بالقيروان في اليوم الثاني من حجه ودعائه، وذلك كان أصل خراب القيروان! فلم يشك أحد في إجابة دعائه، فنعوذ باللّه من تغيّر قلوب أوليائه وأصفيائه، وهذا أصح من نقل عياض عن محمد بن عبد الصمد أنه كان من علماء وقته بالقيروان، وغلب عليه الزهد، وأخذ في وعظ الناس إلى أن قال فيهم ابن عبد الصمد: إنه قصده بذلك فاستعمل الخروج إلى الحج، وخرج معه جماعة من علماء المسلمين، ثم عاد فأخذته الفتنة بالقيروان، وهذا تظهر فيه المخالفة من أنه لم يمت ورجع إلى القيروان، رحمة اللّه عليه.
أحد من نظم قلائد الآداب، وجمع أشتات الصّواب، وتلاعب بالمنثور والموزون، تلاعب الريح بأطراف الغصون، خرج من القيروان عند اشتداد فتنة العرب عليها، وذلك في سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وقدم الأندلس وسكن المرية (1) وغيرها، وتردد على ملوك الطوائف بها بعد مقارعة أهوال، ومباشرة
(1) مدينة أندلسية أمر ببنائها السلطان الناصر لدين اللّه عبد الرحمن بن محمد سنة 344 ه. انظر عنها كتاب: معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار. للوزير لسان الدين الخطيب ص: 56 - 57، والروض المعطار ص: 537 - 538.