فهرس الكتاب

الصفحة 660 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 193

قلت: وسبب خراب القيروان إجابة دعاء الشيخ الواعظ عبد الصمد فانهزم سلطان القيروان مع كثرة عساكره وقلة من جاءه، وذلك أنه كان لعبد الصمد هذا ولد اسمه محمد، ويكنّى بأبي الحسن، ورد على القيروان وكان رجلا صالحا، فاضلا، واعظا، زاهدا، صوفيّا، عالما، عاملا، وكان له مجلس بالجامع الأعظم بالقيروان يجتمع إليه فيه ويسمع كلامه، وله لسان فصيح، وقلب قريح كثير الحزن والبكاء والخوف، من أولياء اللّه عزّ وجلّ، المنقطعين إليه، الخائفين الخاشعين المتبتلين القائمين الصائمين، قد ركب طريقة من الزهد والورع والخشية وصدق المقال في الوعظ لم يسلكها في وقته غيره، فطبق ذكره الآفاق وكثر ازدحام الناس إليه في مجلسه لاستماع وعظه، ومالت إليه القلوب والأسماع، وكثرت له الأتباع، حتى حذره السلطان، وخاف على نفسه منه، فاستعار السلطان منه بعض كتبه وأظهر أنه أحبّ مطالعة شيء منها، فأرسل إليه بما أحب منها، فأقامت عنده أياما ثم أمر بردها، فتصفح الواعظ أوراقا منها فوجد بينها بطاقة (1) بخط السلطان كأنها نسيها بين أوراق كتابه، فإذا فيها زعمت ملوك الفرس، وحكماء السّير والسياسة، أن أهل التنمس والوعظ، وتأليف العامة، وإقامة المجالس، أضر الأصناف على الملوك وأقبحهم أثرا في الدول، فيجب أن يتدارك أمرهم ويبادر إلى حسم الأذى منهم، فلما قرأ الواعظ أبو الحسن محمد بن عبد الصمد البطاقة، علم أنه أمر استعمل له وقصد به ونبّه على الرأي فيه. فاستعمل الحج، فخرج وخرج معه عامة وخاصة من أهل القيروان، وأمر له السلطان بزاد فخرج متوجها إلى الحج في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر اللّه رجب الفرد الحرام سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، ومعه رجال وكلوا به أن يصلوا معه إلى مدينة قابس، ونهى أن يشيّعه أحد، أو يخاطبه الخطاب، وكانت الرفقة الخارجة إلى مصر قد قرب خروجها فأمر أن ينتظرها بمدينة قابس إلى أن يصحبها، وكوتب عامل قابس بأن لا يدخل إليه أحد هناك، ولا يجتمع عنده اثنان، ولا يخرج من المكان الذي ينزله فيه إلا يوم سفره، فخرج وهو غير آمن على نفسه، وأظهر السلطان ما كان يخفيه من أمره، وصار من ذكره بخير، أو قال فيه جميلا مشخوصا (2) مذموما حتى صار كل من كان يفرط في مدحه

(1) في ط وت: سجادة، والصواب ما أثبتناه تصحيحا على الكلمة التي أتت بعدها.

(2) مشخوصا: متجهّما، ومقلقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت