معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 61
فكما آنستني في هذا اللّيل الطّويل بذكرك آنسني في مضجعي وقبري ثم يأخذ في النّياحة والبكاء حتّى يصبح. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين.
هكذا قال متّبعا في ذلك التّجيبي، ويريد به ضرر البدن، من أنّه مقعد لما يأتي، وفيه قصور لقول المالكي: «كان ضرير البصر والبدن» (2) .
قال: كان أبو محمد هذا صاحب صدق ومعاملة صحيحة وزهد وانقطاع وخوف وإشفاق، مستجاب الدّعاء، وهو الذي ينسب إليه مسجد السّبت بالدّمنة.
قلت: يتبع في هذا التجيبي، وإنما سمي مسجد السبت؛ لأنّهم كانوا يقرءون فيه الرقائق يوم السبت من كل جمعة، ويحضره أولياء اللّه والصّالحون والعلماء؛ كأبي بكر بن اللّبّاد، ويبقى أثر الوعظ فيهم إلى السبت الآتي، وهذا المسجد هو خارج القيروان، يعرف بمسجد العربي وإنما قيل فيه ذلك؛ لأن محمد العربي كان يقوم به وهو قريب العصر فسمي به.
قال: روى خيرون بن ذكوان الخراز قال: أصاب النّاس عطش شديد بالقيروان، فأخرجنا أبا محمد الأنصاري فحملناه على أيدينا حتى أدخلناه مسجد السّبت، فقرأ القرّاء برفع ثم رفع أبو محمد يديه وقال: اللهم إني رفعت إليك عشرة قصارا فلا تردها خائبة. قال: فو اللّه ما انصرفت من باب تونس إلى باب أبي الربيع إلا وأنا أخوض الماء إلى الرّكبة.
قلت: وأراد بقوله عشرة أي أصابع.
قال: وروي أن الأمير زيادة اللّه بن إبراهيم بن الأغلب، خرج إلى المدينة ومعه مال يفرّقه فقال لخلف ومسروق الخادمين: ادخلا إلى هذا الشيخ يعني أبا محمد فعرّفاه أنّي أريد السّلام عليه فدخلا عليه وأعلماه بذلك فقال لهما قولا له ينصرف عني فما لي عنده حاجة، ولا له عندي حاجة، فأخبرا زيادة اللّه بذلك فغضب وقال لهما: ادخلا فأخرجاه؟ فدخلا فحملاه حتى وقفا به بين يديه فقال له
(1) ترجم له في الرياض: 1/ 411 - 413.
(2) الرياض: 1/ 412.