معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 100
قلت: وقبره غير ظاهر، فجرت عادتي إذا وصلت إلى ذلك المكان ونتوسّط المقبرة ننادي بصوت عال رحمك اللّه يا أبا محمد بن التّبّان، وغالب الحال، لا يحفظ القبر إلا الكتابة على مشهده، ومع عدم الكتابة يكون مشهورا، ثم بموت كثير من الخلق بوباء فلا يبقى إلا من لا يعرف قبره ومع الكتابة وإن جهله جاهل فيأتي بعد من يجوز ذلك المشهد فإذا قرأه أعلم الغير بذلك فينشر معرفة الناس له ولقد قال لي أخي لأبي: أبو عبد اللّه محمد رحمه اللّه ونحن في الزيارة بجبانة باب سلم وهي الجبانة الغربية بمقربة من قبر الشيخ عتيق السوسي يا أخي: أنت تزعم أنّه لا أحد اليوم بالقيروان أعرف منك بقبور مشيختنا فأين قبر سليمان بن عمران القاضي؟ فقلت له: قبره غير معروف فقال: إن قبره وجدناه وهو الذي بين يديك فنظرت مشهده، فإذا فيه مكتوب هذا قبر سليمان بن عمران القاضي توفي ليلة السبت لسبع بقين من صفر سنة سبع وسبعين ومائتين فأشهرت معرفة قبره شهرة تامة.
قال: لقي عيسى بن مسكين وأخذ حديثه عن أبيه أبي العرب، وذكر أنه لقي جبلة بن حمود وأخذ عنه، ولقي موسى بن عبد الرحمن وأخذ عنه كتاب الإمامة لمحمد بن سحنون وأجاز له كتاب محمد بن المواز، ولقي حمّاس بن مروان وسمع منه كتاب ابن المعزل، وكتاب أنس بن عياض، ولقي محمد بن عمر أخا يحيى بن عمر وأخذ عنه الدّمياطية، والبرقية، ومنتخباته، وكان من أهل العلم، والعبادة، والتقشف، والزهادة، والورع، والرقة، وسرد الصيام، وكان شديد الورع، كان إذا أراد أن يطر (2) داره وسقوفه احتفر في وسط داره حفرة وطرّ من تراب الحفرة ويقول: إن السّلطان يغرم على التراب! وكان حائط حجرته من قصب، فكان كلما خرج في الليل أو دخل ينظر إليه فعوتب في ذلك فسدّه بالقشور والصّوف والخرق لتورّعه عن التراب وغرمه لقبالة السلطان وكان غالب أحواله الإيثار والسّخاء؛ مات
(1) ورد ذكره في الرياض: 1/ 190 - 2/ 306، ترتيب المدارك: 4/ 621 - 622 - 710 - (طبعة بيروت) ، شجرة النور الزكية 1/ 142 رقم 261.
(2) يطر داره: يجدد بناءها (هامش ط) .