معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 135
قد استغرقه الوله فسلّمت عليه وقلت له: من أين أقبلت؟ قال: من هذا العسكر وأشار إلى المقابر فقلت: وأي شيء قلت لهم؟ قال: قلت لهم (1) : متى ترحلون؟
قالوا: حتى تقدموا قلت: إني أراك حكيما فأخبرني من أين سلوك الطريق في كبد فجاج المضيق؟ قال: من ضعف دعائم التّصديق. قلت: أخبرني عن الصّادق للّه في حبّه متى يشتاق إلى قربه؟ قال: إذا نزع حبّ الدنيا من قلبه وتبرّم ببقائه، واشتاق إلى لقائه.
قلت: متى النّجاة من النّاس؟ قال: عليك بالفرار في البراري والقفار، فقد (2) اشتدت مؤونة الزمان فالق نفسك مع القدر حيث ألقاك وانعم لعيشك وأقلل لفناك.
قال: كان من أهل العلم والرقة والأدب، وغزارة الدّمع مع كرم ومروءة، وصدق نيّة ومعونة ومعرفة بالكلام والفقه، توفي يوم الاثنين السادس من ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة وحمل لدار الشيخ أبي الحسن القابسي فصلّى عليه ودفن بالرمادية مع أبيه رحمه اللّه تعالى.
263 -ومنهم أبو الحسن علي بن حمديس المتعبد المؤدب الفاضل:
قال: كان من العبّاد المجتهدين المحزونين يختم كلّ ليلة ختمة وله في شهر رمضان تسعون ختمة وإذا قرأ الوعد والوعيد بكى بكاء النّائحة الثّكلى التي لا ترقى لها دمعة، وكان قوته في الشهر اثني عشر مدّا وصام إحدى وخمسين سنة ولم يأكل اللّحم قريبا منها، وختم نيفا وثلاثين ألف ختمة توفي يوم الأربعاء ودفن غداة يوم الخميس بباب سلم لعشر بقين من ربيع الأول سنة ثلاث وأربعمائة وصلّى عليه أبو الحسن القابسي بوصيته له بذلك في عدد لا يحصون، واتصل التكبير في الموارد بالتكبير على المنار لضيق الشّارع رحمه اللّه تعالى.
(1) كلمة «لهم» ساقطة زدناها ليتم السياق.
(2) لعل الصواب: فإذا.