معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 197
تلك الناحية وركب البحر فنزل بدانية (1) فبعث إليه أميرها مجاهد بلحم، وأرباع دقيق أول نزوله، فصرفها في وجه رسوله، وعجّل الارتحال عنه إلى بلنسية (2) ، فلقي برا وعرف قدره بها، وأكرم مثواه المأمون ابن ذي النون بطليطلة (3) ، وأجزل قراه، وتوسع له ولعبيده وخدمته في البرّ، وأجرى له ستين مثقالا في الشهر الواحد سنة أربع وخمسين وتوفي بها منتصف شوال سنة خمس وخمسين وأربعمائة، ووصل المأمون له باستمرار جرايته على حاشيته وتلامذته، وتجافى عن ميراثه، وجعله وصية له إذ لم يوص- لفجأة وفاته رحمه اللّه ورثي بمراث كثيرة، منها مرثية الحكيم أبو محمد بن خليفة المصري:
سقى اللّه قبرا حلّ فيه أبو الفضل ... سحابا يسح المزن وبلا على وبل
و كيف يسقي المزن (4) قبرا يحله ... وفي طيه بحر المكارم والفضل
و بدر تمام من تميم فخاره ... ملوك لهم قام الملوك على رجل
و ما الدهر إلا آكل من نفوسنا ... ونحن لديه في الحقيقة كالأكل
قال: كان أوحد أهل زمانه فقها، وعلما، وأدبا، من بيت علم وصلاح وأدب، فقيه القيروان في وقته، وقاضي مدينة صبرة وخطيبها، وإمام الجامع الأعظم بها، وكان فصيحا لسنا، سنيا، مباينا لأهل البدع، شديدا عليهم، ولما أمر المعزّ بن باديس بلعنة عبيد اللّه في الخطب وذلك في يوم عيد الفطر من سنة أربعين وأربعمائة، خطب القاضي محمد بن جعفر هذا فقال بعد ذكر ما جرت العادة به في خطبة الفطر: اللّهمّ والعن الفسقة الكفّار المرائين الفجّار أعداء الدّين، وأنصار الشياطين، المخالفين لأمرك والناقضين لعهدك، المتبعين غير سبيلك، والمبدّلين لكتابك، اللهم
(1) دانية: مدينة بشرق الأندلس على البحر عامرة حسنة، ومن دانية أبو عمرو الداني المقرئ المعروف بابن الصيرفي له تواليف في القراءات. انظر الروض المعطار ص: 231 - 232.
(2) بلنسية: تقع شرق الأندلس مدينة سهلية وقاعدة من قواعد الأندلس في مستو من الأرض.
انظر: الروض المعطار ص: 97 - 101.
(3) طليطلة: مدينة أندلسية عظيمة القطر كثيرة البشر كانت دار الملك بالأندلس حين دخلها طارق بن زياد. انظر عنها: الروض المعطار ص: 393 - 395.
(4) المزن: السحاب.