معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 198
العنهم لعنا وبيلا، واخزهم خزيا عريضا طويلا، اللهم وإن مولانا وسيدنا أبا تمام المعزّ بن باديس بن المنصور القائم بدينك، والناصر لسنّة نبيّك، والرافع للواء أوليائك يقول مصدقا لكتابك وتابعا لأمرك، مباينا لمن غيّر الدّين، وسلك غير سبيل المرشدين المؤمنين: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (2) وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (3) وَ لا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (4) وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (5) [الكافرون: 1 - 5] ، (هكذا بإسقاط قل من أول السورة وترك لكم دينكم ولي دين لتعلق الأمر بالمراد) ، وأمر السلطان خطيب جامع القيروان، أن يفعل مثل ذلك على المنبر في الجمع في كل خطبة، وهذا دليل على فصاحته ومباينته لأهل البدع ومحبته لأهل السّنّة، وجرت عليه محنة أعقبها التأخير عن قضائهم، والزهد في جوارهم، وذلك بسبب أبيات صنعها ابن رشيق:
يا سالكا بين الأسنّة والضبا ... إني أشم عليك رائحة الدّم
يا ليت شعري من رقاك بعوده ... حتى رقيت إلى مكان الأرقم
منها هذان البيتان صنعهما معرضا بالقاضي محمد بن جعفر، فنمت إلى السلطان فكانت سبب محنته، فلما صودر بالمكروه فرّ من مدينة القيروان، فما سمع له خبر إلا من مصر، وقرئ سجل القاضي علي بن أحمد البوني بجامع القيروان بولايته جميع ما كان يتولاه محمد بن جعفر من قضاء مدينة صبرة، وزال القضاء عن بني الكوفي، وكانت لهم في ولايته نيف وسبعون سنة، والذي تولّى القضاء منهم أربعة: أولهم محمد بن إسحاق التميمي، ثم ولده عبد اللّه بن محمد، ثم ولده جعفر بن عبد اللّه بن محمد، ثم ولده محمد بن جعفر هذا المعزول، وكانوا من أهل الرّواية والدّراية، والديانة وحسن السيرة في القضاء رحمهم اللّه، ولم يزل محمد بن جعفر هذا بمصر بعد انصرافه من القيروان، متعرّفا مزيد الحظوة وسمو الرتبة، وولي القضاء بها ولقب قاضي القضاة، ثم تخلّى عن القضاء وارتحل عن مصر فلم يستقر له قرار إلا بأقصى الشام، فيقال إنه توفي هناك بعد السبعين وأربعمائة رحمة اللّه عليه.