فهرس الكتاب

الصفحة 556 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 89

الأكام، ورأى فيه الأبدال، وتعبّد في الغيران، وكان حصورا لا يأتي النّساء. وقال أبو بكر عتيق بن خلف التّجيبي: أخبرني أبو القاسم قريب أحمد بن نصر قال:

مررت في يوم شديد الحرّ بالحجاز، وإذا بشيخ جالس تحت أمّ غيلان (1) ، فسلّمت عليه فردّ علي السلام. قلت: ما أقعدك هاهنا؟ قال: أطلب العيش. قلت: ليس [هذا] (2) موضعه هاهنا، إن أردت العيش فعليك بالأرياف، فقال لي: أخطأت الطّريق. قلت: وما العيش عندك؟ قال: أن تكون جالسا ليس فيك جارحة إلّا وهي متعلّقة باللّه تعالى. قال أبو القاسم: اشتهيت إسفنجة بعسل فأقمت سنة وقد تاقت نفسي إليها، فمررت بسماط القيروان، وإذا بشابّ جالس على بابه، فلما رآني سلّم عليّ وقال: أحب أن تدخل عندي، فدخلت وقدّم إلي سفنجة وعسلا جلوليا أبيض في مثرد، فأكلت حتى تمليت ثم طيّبني وخرجت من عنده وأنا واللّه ما أعرفه، فمررت بصبيّ يلعب فرفع بصره (3) إليّ وقال: يا عم، «سبحان من يجود بالنّعم على من يستحقّ النّقم» . وتوفي أبو القاسم سنة ست وستين وثلاثمائة وصلّى عليه أبو بكر الزويلي، ودفن بالرّماديّة إلى جانب أحمد بن نصر الفقيه رحمهم اللّه أجمعين.

224 -ومنهم أبو السرا واصل بن عبد اللّه العابد رحمه اللّه:

قال: كان من أهل الفقر، والتّقشّف، والجدّ والاجتهاد، ولزوم الأسفار، والتّغرّب عن الأوطان، وكان يأوي إلى مسجد السّدرة بالقيروان يركع ويسجد فيه، إلى صلاة العصر، فإذا قيل له: ارفق بنفسك قال: أنا رجل مطالب مديان. أنشد بعض القرّاء وهو جالس هذه الأبيات:

كأن رقيبا منك يدعو خواطري ... وآخر يدعو ناظري ولساني

فما نظرت عيناي بعدك منظرا ... يسوءك إلا قلت قد رمقاني

و لا خطرت في السر دونك خطرة ... دراك إلا عرجا بفناني

و أخوان صدق قد سمعت حديثهم ... فأمسكت عنهم ناظري ولساني

و ما الدّهر أسلى عنهم غير أنني ... وجدتك مشهودا بكل مكاني

(1) نوع من الشجر قصير يكون عادة في الصحراء.

(2) زيادة من: ت.

(3) في ت: رأسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت