معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 90
قلت: يعني كما قال أبو [عثمان] (1) سعيد بن الحداد فيدفع إلي الدّينار والدّينارين وما أمكنه، وعبّر عن جعفر ببعضهم، وقال عنه: وصل إلي منه بها نحو من سبعين دينارا. ومع سخائه هذا وعلمه فكان يقول: هب أنّك أعظم الناس قدرا وأكثرهم علما أ ليس وراء ذلك إلا الموت؟.
قال: وروي أنه لما ولي القضاء [كان] (2) عنده ثمانون ألفا فلم يمت حتى تصدّق بها كلّها. وأخبار ابن طالب في فضله وجوده يطول بها الكتاب.
قلت: من جوده أنّ رجلا أكرمه في طريقه ولم يعرفه فقال له: سل في القيروان عن دار ابن طالب، فلما وصل الرّجل دفع إليه خمسة آلاف درهم وعشر خلع، وأهدى إليه رجل خبز سلت، فدفع إليه خمسة مثاقيل فقيل له: إنما يسوى درهما، قال: كلا ولكن هذا رجى أفضالنا فحققناه قال أبو القاسم المعروف بالمساجدي: شكوت يوما لابن طالب الوحدة وقلّة الجدة فاشترى لي جارية بأربعين دينارا، وحجرة قرب الجامع بعشرين دينارا فشكوت إليه إنه ليس فيها ماء، فحفر في زقاقها بئرا للمسلمين، وكان يعطيني قوتي وقوت الجارية وكسوتها لكل شهر. قال ابن أبي عقبة كان رجل كفيف من الفقراء يمشي مع زوجته، فإذا بصقلي (3) أتى إلى طبّاخ (4) فقال له: يقول لك القاضي خذ لنا خروفا من صفته كذا وكذا، واعمله في التّنّور وخذ له من الزيتون والخبز وبقل المائدة ما يصلح، وهيّئه إلى أن أرجع من صلاة الجمعة، وانصرف الغلام فقالت زوجة الكفيف واللّه ما اشتهيت إلّا الأكل منه، وكانت حاملا، فقال الكفيف: أنت طالق إن تغدّينا إلّا منه. فلما فرغ الناس من الجمعة سبق القاضي إلى باب الدار حتى جاء القاضي ودخل بيتا في سقيفة داره، يحكم فيه فقالت: ما الّذي يوصلك إليه؟ فقال لها: اسكتي فلمّا سمعت الطّست أخبرته فقال الكفيف يا قاضي قال اللّه عزّ وجلّ: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: 9] . وقال: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُورًا (9) [الإنسان: 9] . فصاح القاضي: يا غلام خذ هذا الخوان (5) وامض معه حتى توصله
(1) في الأصل: أبو سعيد بن الحداد. والصواب ما أثبتناه من: الرياض 2/ 57 وسيأتي ترجمته.
و اسمه: «أبو عثمان سعيد بن محمد بن صبيح الغساني مولاهم يعرف بابن الحداد» .
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(3) في الرياض: بصقلبي 1/ 475.
(4) في الرياض: إلى بعض الطباخين 1/ 475.
(5) الخوان: ما يوضع عليه الطعام ليؤكل، وتسميه العامة: السّفرة.