فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 89
قال: وروي أن ابن طالب أتى يوما من القصر القديم في يوم شتوي مطير لينظر بين الناس في الجامع فبينما هو بين القصر والقيروان راكبا على دابته، إذا بشيخ كبير ضعيف معه دويبة عليها حطب وقد أخذته الأودية والشيخ وحده، والشبكة تميل من ناحية ويردفها الشيخ من ناحية فعدل إليه ابن طالب وقال: يا شيخ في مثل هذا اليوم؟
قال: فما حيلتي؟ لي بنات وعيال أبيع هذه الشبكة فأشتري منها شعيرا وعلفا ولو تركت هذا اليوم بقينا بغير شيء أو نحو ما قال. فقال له ابن طالب: إذا كان بالغداة فلا تعمل شيئا وتأتي إلى موضع كذا وكذا من القصر القديم عند البير فتجلس فعسى أن يكون خيرا أو كما قال. فلما كان من الغد قال لرجل: امض إلى البير فانظر شيخا من صفته وصفته فأت به. فلما دخل عليه دعى ابن طالب بوكيله فقال له: امض فاشتر لهذا الشيخ كذا وكذا من الطعام، واشتر له ولعياله جبّة وكساء لكلّ واحد منهم، قم يا شيخ فقام الشيخ وقال: «الحمد للّه رب العالمين» . فقال ابن طالب: اجلس يا شيخ.
و قال للوكيل: اشتر له زوجا يحرث له من البقر، وكذا وكذا من الزّريعة. قال الشيخ «الحمد للّه رب العالمين» . قال ابن طالب: واشتر له غلاما يحرث له. قال الشيخ:
«الحمد للّه رب العالمين» . قال ابن طالب: واشتر له مائة شاة من الغنم، قال الشيخ:
«الحمد للّه رب العالمين» قال ابن طالب: واشتر له كذا وكذا فعدّ الرّاوي عددا كثيرا وقال: إذا أمر له بشيء يحمد اللّه عزّ وجلّ إلى منتهى القسم من اللّه عزّ وجل. قال الشيخ: أغنيتني وأغنيت أهلي فعل اللّه بك وفعل. فقال ابن طالب: يا شيخ لو دمت في الحمد لربّك لأنفدت عليك جميع ما أملك.
قلت: لو لم يكن في سخاء ابن طالب إلّا هذه القضية لكان فيها كفاية فنسأل اللّه عزّ وجلّ، أن يجدّد عليه الرّحمة بكرة وعشيّا.
قال: وروي أن ابن طالب واصل جعفر الأعمى بسبعين دينارا بآية من كتاب اللّه عزّ وجل سمعها منه.
قلت: هذا الكلام فيه بتر من وجهين، أحدهما تعيين الآية، الثاني: كلامه يوهم أنّه أعطاه ما ذكر دفعة واحدة، وليس كذلك، بل أعطاه ذلك في مواطن متعدّدة. قال أبو بكر التّجيبي: وصل جعفرا الأعمى بآية من كتاب اللّه بسبعين دينارا، كان إذا رآه جالسا في مجلس قضائه قام قريبا منه فقرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُورًا (9) [الإنسان: 9] .