فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 125

فحمل القفيز إلى دار الشيخ أبي بكر، فقال الشيخ أبو بكر لزوجته: لو دفعنا الثمنتين للسائل لجاءنا قفيزان. وحكي أنّه اشتهى يوما فقاعيّة، فوقف على الجزّار ليشتري لحما بسببها فسأله سائل، فدفع إليه ما كان معه من الدراهم ولم يترك ما يأخذ به اللحم فتركه ومضى، فلمّا كان عند الفطر، قدمت له زوجته فقاعيّة محكمة وخبزا سميدا، فسألها عن ذلك؟ فقالت: وصل فلان بها، فلقيه بعد ذلك، وسأله فقال:

اشتهيت ذلك اللّون فلما حضر وأعجبني، خطر ببالي أن أبعثه لك، فبعثته. وحكى موفق الحجام وكان يخدم الصالحين، ويحلق رءوسهم قال: أصبحت يوما في حانوتي فلم يأتني أحد، فقلت: أتفقّد الشيخ أبا بكر لعله يحتاج إلى حلق رأسه، فأخذت ماعوني وقصدت إلى داره فلم أجده؛ وقيل لي: في دار أخته، فلمّا وصلت إلى الدار، نظرت من خلل الباب، وإذا بالشيخ أبي بكر جالس على كرسي وأخته تصبّ الماء على رأسه ليحلقه، فضربت الباب، فقال لي الشيخ: ادخل، فدخلت فحلقت رأسه. قال أبو بكر التّجيبي أنشدنا الشيخ أبو بكر:

ذهب الّذين عليهم وجدي ... وبقيت بعد فراقهم وحدي

سلف مضوا وبقيت بعدهم ... وكذلك يمضي من بقي بعدي

قلت: وقال أبو بكر التجيبي أيضا شهدته والقارىء يقول:

إن لأهل الخلود منزلة ... من ربهم في الجنان إذ نزلوا

يقول يا صفوتي رضيت لكم ... داري ففردوسها لكم نزل

فلو رأيتهم وهو يكلمهم ... وقد جزي القوم بالذي عملوا

يا لك من مشهد ومن ملا ... يحضره الأنبياء والرسل

فبكى واضطرب وخلته فارق الدنيا.

قال: وكان الشيخ أبو الحسن القابسي يعظم الشيخ أبا بكر ويصبّ الماء على يديه عند الطعام وكان من دعاء الشيخ أبي بكر: «اللهم أمتني ميتة هنيئة ولا تحوجني إلى القصرية» . فأجاب اللّه دعاءه فوجد جالسا مستقبل القبلة وهو ميّت. ولم يحتج إلى قصرية ولا غيرها، وصلّى عليه الشيخ أبو الحسن القابسي، ودفن بسدس اللّيل، وخرج العامل على القيروان إلى قبره بالمشاعل، ولما أصبح الصبح من ليلة دفنه، أخبر أبو حفص عمر بن حسين المفسر. قال: رأيت البارحة في المنام أشخاصا لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت