معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 156
سائر الصحابة أجمعين. وكان رحمه اللّه رجلا صالحا فاضلا مجذوبا، صاحب مكاشفات، فمن ذلك ما أخبرني به من نثق به قال: اجتمعت جماعة ذات ليلة زمن المصيف، وذهبوا لزيارته للدار التي باءت بها تلك الليلة، فذهبوا حتى بلغوا حيث ذكر فلما وصلوا لباب الدار، وقفوا وهم سكوت، فخاطبهم من داخل الدار، ونادى كل واحد منهم باسمه وقال لهم: تقبل اللّه منكم الزيارة، ثم رجعوا ولم يروه ولا رآهم.
قلت: ولقد كان والدي يأتي به لدارنا للعشاء، فبينما الناس في رخاء قال لوالدي يوما: يا شيخ، إنا نأكل في طعامك، ووجبت علي نصيحتك اشتري النّعمة غدا، ولا تتراخى، فإنها تزيد أن تغلى سعرها في الأيام الآتية، فكيّل والدي ما يكفيه سنة، فبعد جمعة صعد سعرها حتى صار بمثلين من السعر الأول.
قلت: كان في سنة ستة وأربعين ومائتين وألف، هذا الشيخ وسيدي عمر عبادة التقيا بالعطّارين، وتصارعا وطال بينهما الأمر حتى فزعت الناس من كل جهة، متعجبين منهما، وآل الأمر أن صرع الشيخ عبادة الشيخ الغماري، والشيخ الغماري تحته وهو يقول: (فكّوني(1) منه راه رومي) فما انفصل الأمر، إلا بعد طول، فقام الشيخ الغماري يقول: وعد اللّه، ويكرّرها، فجاءه بعد أيام قليلة خبر أخذ الجزائر افتكاك الفرنسيس لها من يد الإسلام ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم.
فحسب بعض من حضر ذلك اليوم لمصارعتهما فوجدوه هو اليوم الذي دخلها.
قلت: ويؤخذ من هذا؛ أنّ الشيخ الغماري له تصريف خاص والشيخ عبادة أعمّ واللّه أعلم.
و لقد أخبرني شيخنا الولي الحسن علي الحليوي أن الشيخ محمد شاهين نفعنا اللّه به لما فقد وفتشوا عليه فوجدوه بقرب المدينة على قدر أربعة أميال ومن عادته لا يتحرك من المدينة فلقي شيخنا المذكور الشيخ الغماري فقال له: ما جرى في الشيخ شاهين، فقد وجدوه ميتا، فقال له الشيخ شاهين: مات شهيدا فيؤخذ من هذا؛ أنه جاهد مع عسكر السلطان محمود رحمه اللّه، لأن تلك الأيام عنده حرب مع الموسكوا.
(1) فكّوني: تعبير عامّي دارجي بمعنى أنقذوني.