معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 168
رحمه اللّه فقيها، فاضلا، محدّثا، مدرّسا، فرضيّا، نوازليّا، موثّقا، خيّرا، ثقة، ذا خلق حسن، ناثرا، حافظا، ناظما، وهو الذي رثى عمّه، ووالده، كما تقدم. وولي رحمه اللّه تعالى إمامة الجامع الأعظم، والخطبة، وولي الفتيا بمدينة القيروان أيضا، وعلا قدره، وعظم شأنه، إلى أن ولي كبير أهل الشورى بالمدينة، وحاز رياسة وقته، وله شهرة تامة. توفي رحمه اللّه تعالى فجر المولد الشريف الموافق ليوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول الأنور بمولده صلّى اللّه عليه وسلم عام اثنين وستين ومائتين وألف، وصلّى عليه أخوه للأب؛ إمام الجامع الأعظم بعده العلامة الشيخ أبو عبد اللّه محمد بالفتح بمصلّى باب سلم في جمع غفير لا يحصى كثرة، وازدحم الناس على نعشه، ورفع على الأعناق، ورفع نعشه آغة عسكر النظام بمدينة القيروان، وكاهيتها، ودار بنعشه عسكر النظام يصدون الناس عن النعش، ولو لا ما ذكر لكسر نعشه، ودفن ضحى يوم الثلاثاء الموالي ليوم الاثنين المذكور بحوطة الشيخ الطوير مع جده للأم، وخاله المذكورين بطرف الرمادية من شرقيها مما يلي الطفالة، وقبره بها معروف مزار رحمة اللّه عليه، ورثاه الفقيه الأعدل، الناظم أبو عبد اللّه محمد الصيد المناري بمرثية أشار فيها إلى تاريخ وفاته، مع ذكر بعض أوصافه وهي:
تيقظ ويقظ بالتذكر إن تقوى ... وقل لأخي الحجا تزود من التقوى
و دع عنك ما يهوى حياتك من سما ... ودبر دواء قبل أن تهجم الأدوا
أ يسمو الفتى والموت يرصد من بها ... وما إن يبالي أحولا كان أو أحوى
أ لم تر مولى ذا الضريح إمامنا ... محمد صدام كبير ذوي الفتوى
تولى عن الدنيا بهمة راغب ... مشوق لمأوى يستقر به المثوى
و ها هو قد وافى الثّرى وثوى به ... يراقب من مولى ثوابه ما يهوى
على أنه قد كان حبر زمانه ... يفك عويصات القضايا لدى الدعوى
و إنه في الفتوى بمذهب مالك ... ومأخذها الأقوى أخو الساعد الأقوى
و أما بديع النظم فهو خليله ... يمل على الأكفا يرى عور الأقوى
فزره وسلّم داعيا له سائلا ... لنا اجمعا نعمى رضى عالم النجوى
و إن أخا نجواك قال له الرجا ... وآمال من ظن الجميل بمن سوى
أصيدا عما عوفيت أرخ محمدا ... سيجزى بإحسان وحسنى لدى المأوى