معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 211
و منها: أنه كان يجلس بحانوت في السّرّاجين بتونس، وعند ذلك الرجل بغلة، فحمل خديمه عليها حرجها يريد ذلك الرجل الركوب عليها، وذهب الخديم وتركها بباب الدار، وذهب لقضاء حوائجه فسرقت البغلة فخرج ربّها ليركب، فلم يجدها ففتّش عليها في جميع البلاد ونواحيها فلم يجدها ولم يظهر له خبرها. ففي اليوم الثاني جاء لحانوته وهو متغيّر على إتلاف البغلة، فجاء الشيخ إلى الحانوت وجلس على عادته فقال له: ما هي الحاجة الداعية التي نريد قضاءها منك وأنت من الصالحين، وأنا منتسب عليك وبغلتي تضيع، إن لم تأتني ببغلتي ما لي بصحبتك حاجة. فسكت الشيخ قليلا وقال له: اذهب فإن بغلتك في مخزنك، فأبقاه بالحانوت ومشى إلى مخزنه، فوجدها تخوض عرقا ففرح وأتى إلى الشيخ يطلب منه المسامحة والصفح على ما صدر منه من ذلك الكلام الفظيع له. فقال له: لقد رددتها إليك من طريق الغرب وقام عنه ولم يعد إلى الجلوس بحانوته.
و منها: أن الشيخ البغدادي بن خود عنده ابن سافر لقابس، ومكث محصورا بها، ممّا حدث من خوف الطريق، فصار والده متغيرا غيّارا كبيرا حيث لم يأته خبر عليه، هل هو باق مقيم بقابس أو خرج منها، وحلّ به في الطريق حادث فجاء إلى دار الكاهية زروق، وخاطره متغيّر، فوجد الشيخ هنا فقصده بقلبه في شأن ولده فقال له: إن ولدك يأتيك غدا فقال له: ما اسمه يا سيدي؟ فقال له: إبراهيم. فكان كما قال الشيخ جاء من الغد واسمه إبراهيم.
و منها: ما أخبرني به رمضان ابن الشيخ محمد بن عبد المؤمن قال: قام المخاض بزوجتي فذهبت لحانوتي ومكثت فيه، فجاءني الشيخ ولم يكن له علم بهذا فجلس قليلا وقال: حسّ بكاء صغير. قال: فقلت له: في أي محلّ؟ فقال لي: في داركم، فذهبت للدّار وتركته في الحانوت فوجدتها ولدت فجئت إليه وقلت له: نعم زوجتي ولدت ذكرا، فما أسميه يا سيدي؟ فتلى الآية الشريفة: مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا [آل عمران: 97] قال: فسميته إبراهيم.
و منها: ما أخبرني به الشيخ رمضان قال: لقيته يوما بالطريق وبيده بيض دجاج وليم (1) حلو فقال لي: أريد أن آكل هذا بحانوتك، قال: فقلت له: أسبق يا سيدي
(1) وليم: البرتقال، المراد به (اللّيمون) .