فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 1، ص: 250

قلت: ذكرها المالكي عن أبي عثمان سعيد عمن حدثه وأن الشاك في [عدد الدنانير] (1) هو أبو عثمان. وهكذا كانت الناس يبذلون ما يفنى، وهكذا كان المؤدّبون أيضا في تعليمهم، واليوم ربّما يصل الولد إلى سورة الرّحمن ولا يأخذ الملّة (2) ، فضيّعوا في حقوق التّعليم فضيّع النّاس في حقوقهم. قال المالكي: وكان ابن غانم من أحسن النّاس همّة (3) في نفسه خلّف بعد وفاته كسوة [بدنه] (4) بألف دينار. وقال أبو عثمان سعيد بن الحداد: كان ابن غانم كثيرا ما ينشد هذين البيتين في مجلسه:

إذا انقرضت عني من العيش مدّتي ... فإنّ غناء الباكيات قليل

سيعرض عن ذكري وتنسى مودّتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل (5)

قلت: كثيرا ما ننقل في وعظي في الميعاد هاتين البيتين ونتأسّى بهما ونحثّ نفسي والحاضرين على تقديم ما بأيدينا للفقراء والمساكين، لنجده حيث لا ينفع مال ولا بنون. وقد كان يحيى بن معاذ يقول:

يمرّ أقاربي بإزاء قبري ... كأنّ أقاربي لم يعرفوني

و قد تقدم في التعريف برباح بن يزيد وذكره المالكي هنا أنّه مرّ بعبد اللّه بن غانم وبيد رباح قسط زيت فقال له ابن غانم: أحمله لك يا أبا يزيد؟ فقال له رباح:

شأنك به، وابن غانم إذ ذاك على القضاء فدفع القسط إليه وجعل رباح يشق مجامع النّاس فسلك به على حوانيت البزازين والمواضع المشهورة حتى انتهى إلى داره، فلما انتهى إليها قال له يا أخي: تعلم لم فعلت هذا بك؟ قال: لا، قال له رباح:

بلغني أنك تجد في نفسك فأحببت أن أضع منك فقال له ابن غانم: جزاك اللّه عنّي خيرا (6) . وبينما ابن غانم راكب على بهيمة إذ هو بالبهلول بن راشد فلما رآه ترجّل وقال: إلى أين يا أبا عمرو؟ قال: أريد أن أشتري بدرهم لحما، فقال: أنا أشتريه لك، فقال: معاذ اللّه، فسار معه على رجليه حتّى اشترى البهلول اللّحم ثم قال ابن غانم للبهلول: يا أبا عمرو باللّه الذي لا إله إلّا هو لتركبنّ، فركب البهلول ثم قال

(1) في ت: عددها.

(2) الملّة: الخبزة.

(3) في ت: هيئة.

(4) في الرياض 1/ 219.

(5) الرياض 1/ 220.

(6) الرياض 1/ 218.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت