معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 41
عزّ وجلّ (1) . وكان عون يبيع الكتّان، وكانت له حبة من شعير، إذا أعطى جعلها مع المثاقيل، وإذا أخذ جعلها مع الدّراهم فكان يعطي بزائد حبّة ويأخذ بنقصان حبة (2) .
قلت: أراد بالمثاقيل الأواقي والأرطال الّتي يزن بها، فإذا باع زاد الحبّة معها ليعطي للمشتري زيادة وزنها، وإذا أخذ الدّراهم في الصّنجة كما هو في البلاد اليوم، جعلها مع الدراهم. وفي كلام الشيخ إجمال، لأنّ مطالع كلامه يتوهّم أنّه كان يبيع الكتّان في كبره وليس كذلك، وإنما كان قبل. هكذا نقل المالكي عن أبي العرب، وهذا هو اللّائق بمنصبه ومنصب أمثاله يصنعون هذا وأمثاله في المبادئ ثم ينتقل حالهم، ويكبر شأنهم.
قال: وقال عون: حضرت ابن وهب وأتاه رجل بكتبه في تلّيس فقال له: يا أبا محمد هذه كتبك، فقال له ابن وهب: صحّحت وقابلت؟ قال: نعم. قال: اذهب فحدّث بها [عني] (3) فقد أجزتها لك، ثم قال: حضرت مالكا فقال مثل هذا (4) .
و روى أبو عبد اللّه محمد بن سعدون عن أبي بكر بن عبد الرحمن الفقيه قال: أتت امرأة من العابدات يقال لها: مونسة المسوحية إلى عون بن يوسف وهي تبكي فقال لها: ما لك يا ابنة أخي؟ قالت: إني رأيت البارحة في منامي كأنّي أدخلت الجنة، فبينما أنا أمشي بين أشجارها وأنهارها إذ سمعت جلبة شديدة فأقبل مركب من الوصفان والوصائف والخدم ما لا أقدر أحصيه ومعهم خمسة من الخيل بسروجها مكللة بأصناف الجوهر، ما لا أقدر أن أصفه فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعون بن يوسف ثم أقبلت أمشي، فإذا بجلبة أخرى مثل الأولى ومعهم ثلاثة من الخيل على مثل حال الأولى، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لسليمان الشهيد الذي يقتل غدا، فقلت: هذا شهيد إنما له ثلاثة أفراس، ولعون خمسة فقيل لي: فضّل عليه بالعلم، فبكى عون بكاء شديدا وقال لها: واللّه يا ابنة أخي لو أصبحت أملك درهما لتقرّبت به إلى اللّه تعالى شكرا فلهذه الرّؤيا. ثم أقبل يبكي ويقول: من أنت يا عون؟ وبأي شيء نلت هذا يا
(1) الكلام بنفس اللفظ في الرياض: 1/ 386.
(2) الكلام في طبقات أبي العرب ص: 189 مع تغيير يسير في بعض الكلمات، وهو منقول أيضا في الرياض: 1/ 385.
(3) ساقط من: الرياض، وطبقات أبي العرب.
(4) انظر: طبقات أبي العرب ص: 189، والرياض: 1/ 387.