فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 48
حتى مات، فقد ذكرته في كتاب المديان في ما وضعته على تهذيب البراذعي، فانظره هناك. وإن كان هذا الموضع أمسّ به. وحكى ابن اللّبّاد أنّ رجلا حلف بالطّلاق وهو يختصم مع صاحبه في حائط بينهما، فأمر سحنون بضربه في قفاه، وعبّر عن هذا شيخنا أبو مهدي عيسى بن أحمد الغبريني بأنّ سحنونا هو أول من ضرب في القفا بإفريقية وليس في هذا الكلام ما يدلّ عليه.
قال: وحكي عن سعيد بن محمد ابن الحداد أنّه قال: كنت يوما عند سحنون إذ جاءه غلام الأمير محمد بن الأغلب فسلّم على سحنون وقال له: يقول لك الأمير: اردد النّسوة على حاتم فإنّهنّ إماء له. قال سحنون: فإن كنّ إماء فمثل حاتم لا يؤمّن على الفروج فانصرف الغلام راجعا ثم أقبل بوجه غير الّذي أقبل به أوّلا فقال لسحنون يقول لك الأمير: إنك تعدّيت عليه، ارددهنّ عليه كما أمرتك. فقال له سحنون: قل له: أنت الّذي تعدّيت واللّه لا رددتهن عليه حتى يفرق بين رأسي وجسدي. فانصرف الخادم وأقبل محمد بن سحنون على أبيه وقال له: لا تفعل يا سيدي اكتب إليه والطف فدعى بدواة وقرطاس، وكان جالسا بالأرض وابنه محمد مشرفا على مقعده، فكان سحنون يكتب وابنه محمد ينظر ما يكتب ويقول لأبيه:
دوّن هذا، دوّن هذا، حتى فرغ سحنون من كتابه ثم طبعه وأرسله مع حاجبه إلى الأمير، إلى قصر حمص، فأخذه الأمير وضرب به وقال: واللّه لا أدري هذا علينا أم نحن عليه واسودّ وجهه وكان له جمال، فركب دابته وانصرف لعسكره راجعا إلى القصر القديم، فأقام من ذلك الوقت إلى وقت العصر لم يدخل عليه أحد، ثم أذن بعد ذلك لأصحابه ووزرائه بالدخول وقال لهم: إني لأظنّ هذا الرّجل يريد بنا خيرا ونحن لا ندري، أرسلوا إليه يرسل محتسبيه، ويكتب لهم سجلات إلى أقصى عملي، يأخذوا من وجدوا من الحرائر، فأرسل سحنون أصحابه يأخذون السجلات فخرجوا وردّوا من وجدوا.
قلت: أصل القصّة أنّ سحنونا رحمه اللّه تعالى كان جالسا على باب داره إذ مرّ به حاتم ومعه سبي من سبي تونس. فقال سحنون لأصحابه: قوموا فأتوا بهم.
فذهبوا حتى خلصوهم من حاتم، وهرب حاتم على برذونه، وخرق ثيابه ودخل على الأمير فشكى إليه، فأرسل إليه كما تقدم، وقال للرسول: قل للأمير جعل اللّه حاتما شفيعك يوم القيامة. وأقسم عليه ليبلغن له ذلك. ثم قال سحنون: هذا الأسود يعني