فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 69

ابن سحنون، واغتمّ لذلك وقال له: يا أخي نزل بك هذا وأنا في الدنيا؛ ثم كتب له رقعة وقال له: امض بها إلى فلان الصّيرفي، فمضى إليه فأعطاه عشرين دينارا فأخذها واشترى منها ما يحتاج إليه؛ وأتى بالحمالين إلى الدار، فقالت له زوجته:

ما هذا؟ فقال: هذا ما أعطاني الرجل الّذي كنت أشتمه.

[العراق منه جاءت الفتنة]

ثم أقبل الرجل وهو يقول: العراق منه جاءت الفتنة، ومنه أقبل كل شرّ ثم أتى إلى محمد بن سحنون فأخبره بما فعل فقال له محمد: تقدر على السفر؟ قال: نعم فكتب له كتابا وقال: امض إلى قسطيليّة فأخذه ومضى إليها، فلما وصل أنزله أصحابه وأضافوه ضيافة حسنة، وأعطوه ثلاثمائة دينار وهدايا من طرائف بلادهم، فظن الرجل أنّها لمحمد بن سحنون، فلما وصل إلى القيروان، دخل إلى محمد فأعطاه كتاب القوم، فلما قرأه استرجع وقال: حال الناس، ما هكذا عهدناهم.

فقال له الرجل: يا سيدي إن كان بقي لك عندهم شيء فأنا أرجع إليهم ثانية. قال له محمد: يا أخي إنها لك، فكأنّي لم أجد من أبعث إلّا أنت، وإنّما عجبت من تغيّر الزّمان في هذا الوقت.

قلت: وإنما قال له جزاك اللّه خيرا لاحتمال وجهين:

أحدهما: لأنه قال له ذلك في أذنه لا يسمعه من حضر.

الثاني: لكونه أهدى له حسنات باقية قال بعضهم: كنت بالمنستير وإذا برجل يقرأ في جوف اللّيل وهو يصلي: وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [الأعراف: 21، 22] ويبكي ودموعه تقع على الحصير طق طق من كثرتها، وهو يكرّر الآية وما زال يكرّرها حتى طلع الفجر، ولا أدري من يكون، فلمّا خرج إذا هو محمد بن سحنون رحمه اللّه تعالى (1) .

ذكر بقية أخباره

لما تولى والده القضاء اعتنى بسليمان بن عمران حتى استكتبه ثم عني به حتّى ولّاه قضاء باجّة، فلما مات سحنون وولي سليمان قضاء القيروان ساءت الحال

(1) راجع هذا في الرياض بسياق آخر 1/ 446.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت