فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 161
الثاني: لم يبين بماذا عذب.
الثالث: هل كان القاضي شيعيا في اعتقاده أم لا؟ وبيّنها المالكي فقال: لما طال على ابن أبي خنزير كثرة من يأتي به المروذي من العلماء والصالحين ليقتلهم سعى به عند عبيد اللّه، ومضى به إلى المهدية، فقبل عبيد اللّه قوله ومكنه منه، فأخذه وألبسه ملبسا ورماه في إصطبل الدّواب تمشي عليه فركضت في بطنه حتى قتلته فكانت تلك المولّدة التي كانت لابن خيرون تأتيه وهو تحت أرجل الدّوابّ فيقول لها: إنك بسببي صرت عند السّلطان فتقول له: يا شيخ السوء قتلت سيدي ابن خيرون شيخ القيروان وأزلتني من عنده ورددتني عند خنزير ابن خنزير، وتأمر خدمها فيلطمونه ويعطونه قدره. وكانت هي المتولية لعذابه حتى هلك لعنه اللّه تعالى. قيل:
إنه لما ضربه ألف سوط، وعذّبه قال له: هات الأموال التي جمعت. قال: واللّه لو أن تحت قدمي جبّا مملوءا بمال الدنيا كلها ما أخرجت لكم منه درهما، وإني قد عصيت اللّه تعالى فيكم فسلّطكم عليّ، فاضرب ما شئت وعذّب كيف شئت. وكان محمد بن عمر المروذي هذا معتقدا لمذهب الشيعة معروفا بذلك فلما دخل الشيعي لعنه اللّه تعالى بادر إليه، ودخل في دعوته ولزمه وولّاه قضاء إفريقية فتصلب وتكبّر وتجبّر. وكانت أيامه صعبة جدّا، وأخاف أهل السنّة، ثم خرج الشيعي إلى سجلماسة واستخلف في مكانه أبا العباس، فأطلق يد المروذي، وقوى أمره؛ فأخذ أبو العباس بطريقة قاضي طرابلس وكان من الفقهاء العلماء، وأبا القاسم الطّوزي قاضي صقلية، والمحتسب بمدينة القيروان فضربهم، وقتل ابن هذيل وإبراهيم بن البرذون، وأول ما ولي زاد في الأذان حيّ على خير العمل، وترك النّاس يصلّون رمضان سنة واحدة ثم منعهم، وترك أكثر الناس الصلاة في المساجد وأخذ أموال الأحباس والحصون، وأخذ السّلاح الذي في الحصون الّتي على البحر، وأمر الفقهاء أن لا يكتبوا وثيقة، ولا يفتوا إلّا من سرق وكفر، وأمر أن تزال من الحصون والمساجد أسماء الّذين بنوها، وأمر بها السلاطين، ويكتب اسم المهدي.
قلت: وقبر ابن خيرون مزار يتبرّك به، وعند رأسه لوح مكتوب فيه اسمه واسم أبيه، وما ضره رحمه اللّه ما جرى، كأنها سنة كرى، ثم شاعت مدائحه كما ترى، إنما يصبر من فهم العواقب ودرى، وقد أخذ اللّه عدوّه القاضي المروذي الذي سعى عليه من جنس فعله بالشيخ بأحسن الأشياء وهو عفسه بأرجل البهائم مع ما عذب به