فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 173
اللّيلة سابقة اليوم، ومذاهب العجم يجعلون اليوم سابق الليلة». قال أبو بكر:
فسألت عن هذا المؤدّب ابن عامر الكفيف النحوي وأبا محمد الحارثي فقالا مثله.
قلت: يعني فعلى الأول تكون لا زائدة. وعلى الثاني تكون لا نافية واللّه تعالى أعلم. قال شيخنا البرزلي رحمه اللّه تعالى وسئل الشّيخ أبو عثمان عن قوله عزّ وجل: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: 90] فقال: «يتق الزّنى ويصبر على الغربة» . وسئل عن الاستغفار فقال: «هو عبارة عن الرجوع إلى اللّه» . أي رجعت نادما ليغفر لي. وسئل عن الإسلام فقال: «هو الانقياد، والإيمان هو التصديق» .
قال: قال أبو الحسن علي بن نصر حدثني أبو عاصم قال: كان في زمن الشيخ أبي عثمان بن الحدّاد رجل من الخوارج يقال له نصر بن زوراغ وكان مغاليا في مذهبه، فكان لا يذكر أبا عثمان إلا تنقّصه، ونال منه، ولم يكن رآه قطّ ولا سمع كلامه، ولا عرف موضعه ثم نزع عن ذلك وتاب منه، فسئل عن سببه فقال:
رأيت في النوم كأني أمشي في زقاق لا أعرفه إلى أن بلغ بي الزقاق إلى درب فدخلت الدّرب، فإذا أنا بمسجد محتفل بالناس، وفي محرابه شيخ جالس يتكلّم على الجماعة، وكلّما تكلّم بكلمة يخرج من فيه نور يملأ المسجد، فعجبت مما رأيت، ومن ذلك النّور الخارج من فيه، فاستيقظت فأصبحت مشغول السرّ بالرّؤيا، ثم خرجت أمشي في بعض مآربي، فما شعرت حتى أفضى بي السير إلى الزّقاق الّذي كنت رأيته في منامي بعينه، ثم أفضى بي إلى الدّرب على هيئة ما كنت رأيته، وإذا بالمسجد وفيه ملأ من الناس فوقفت على بابه، وإذا بالشّيخ جالس في المحراب حسبما كنت رأيته وإذا هو سعيد بن الحداد والطلبة حوله، فتخطيت رقاب الناس حتى جثوت بين يديه فسلّمت فردّ عليّ السّلام وقال: أراك نصر بن زوراغ؟.
قلت: نعم ولم يكن رآني ولا رأيته قبل ذلك، فقال: ما الذي جاء بك؟
قلت: جئت تائبا مما كان يبلغك عني، فاعف عنّي عفا اللّه تعالى عنك، قال: عفا اللّه عنك وغفر لك، فقمت إلى الشيخ فقبّلت رأسه. وجلست مع الطلبة، فما كان أحد عندي يعدله في المحبة والفضل. وتوفي أبو عثمان في رجب سنة اثنتين وثلاثمائة وكان مولده سنة تسع عشرة ومائتين.
قلت: ويقال سبع عشرة سنة. وذكر أنّه لمّا مات خرج البريد سحرا يبشر أمير بني عبيد ورثى بأشعار كثيرة. قال: ودفن بباب سلم وقبره ظاهر معروف يزار.