فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 193
تحبس الثّوب وأنت مملوك؟ فردّ الغلام الثّوب وأعتقه، وإنما كانت رؤية رآها محمد في المنام. وكان رجلا صالحا فاضلا ذا ورع وعقل وصلاح، مشهورا بالفضل، أوحد زمانه عبادة وفضلا، وسئل عن معنى
قوله عليه الصلاة والسلام: «جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها»
(1) . فقال: وا عجبا ممّن لم ير محسنا غير اللّه، كيف لا يميل بكليته إلى اللّه؟ كيف لا تحبّ ربّك وما انفككت قطّ من بره؟ ما أقبح الغفلة عن طاعة من لم يغفل عن برك طرفة عين.
قلت: وقال أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن سعيد التّفّاحي: كان أبو سعيد كثيرا ما يقول: وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (10) كِرامًا كاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (12) [الانفطار: 10 - 12] . وكان كثيرا ما يقول: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْ ءٌ عَظِيمٌ[الحجّ:
1]. ثم يقول: وَ اتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا [البقرة: 48] ثم يقول: ابن آدم إنك مسئول.
قال: وكان يقول:
«إني لأذهب إلى الخلاء فأقنّع رأسي حياء من ربّي»
و حكى أبو محمد التّفّاحي أنه كان كثيرا ما يجتمع بأبي العباس الخضر.
قلت: قال المالكي: وامتحن على يدي المروذي قاضي الشيعة لعنه اللّه وقال له: بلغني عنك أشياء أقل ما يجب فيها سفك الدّماء فاشتغل بما يعنيك (2) . وأمر غلامه فقنعه أسواطا (3) . وكان يقول: ما دفعت عنه بهذا إلا كثيرا، وما فعلت إلا شفقة عليه، فإن المشارقة أكثروا فيه، فأردت أن أرضيهم بما فعلت، خوفا أن يرفعوا خبره إلى السلطان، فيكون في أمره أكبر، وما عاقبت أحدا مثلما عاقبته إكراما لجدّه.
قال: وتوفي سنة سبع، وقيل سنة ثمان وثلاثمائة.
(1) الحديث أورده السخاوي في المقاصد الحسنة ص: 206 رقم 365 والجامع الصغير للسيوطي ص: 218 رقم (3580) من رواية ابن مسعود ورمز له بحرف (ض) أي ضعيف، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني ص: 98 رقم (55) ، الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص: 181 رقم (152) ، أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب ص: 118 رقم (529) وهو حديث باطل.
(2) الرياض: 2/ 155.
(3) في الرياض: فقنعه «درات يسيرة» 2/ 155.