معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 91
دينارا عينا فقال لي: خذ هذه فوسّع بها على نفسك وعلى أولادك. فأخذتها منه ثم خرج، فلما كان بعد ذلك، وجّه ورائي وقال: هل تعوّدت السّفر والتّجارة؟ فقلت:
نعم فمدّ يده إلى مائة دينار ودفعها لي وقال: خذ هذه البضاعة واخرج بها إلى مصر لعلّ اللّه تعالى يفتح [فيها] (1) بخير منها، فخرجت بها فربحت فقلت له: خذ مالك فقال [لي] (2) وكأني إنما دفعتها لك لآخذها منك؟ أنا بحمد اللّه غنيّ عنها، فأنا أتقلب فيها إلى الساعة (3) . وروي أنّ الشّيخ أبا الفضل الغدامسي أقام نحوا من عشرين سنة يشتهي الغسانية فقال يوما لخادمه: خذ هذين الدّينارين فاشتر لنا بهما من سوسة عسلا وسميدا وزعفرانا وحوائج الغسّانية، فإني وزنتهما من أمي وأنا لا آكل شهوتي دون أهل القصر، يعني قصر أبي الجعدي بالمنستير، ففعل الخادم ذلك، ووضع (4) الغسانية فلما كملت لم يبق صحفة لأحد من أهل الرباط إلا وقد جعل سهمه فيها وصحفته بينهم، فلما صارت كل صحفة لصاحبها نسي بينهم شيخا صالحا لم يوجه له فقال لخادمه: اذهب إليه بسهمي في هذه الصحفة فقال: أنا أمضي إليه بسهمي في هذه الصحفة وتأكل أنت سهمك، فأنت لك مدة تشتهيها فقال: لا أفعل، فقال: وأنا أمضي بسهمي وسهمك إن شئت فقال: افعل فمضى بهما معا فلقي غلاما لأبي بكر هبة اللّه بن أبي عقبة أقبل من القيروان وعلى عاتقه خرج مملوء بالغسانية وأنواع الحلاوات، وأنواع (5) الكعك، فقال له: قال لي مولاي: إن [أنت] (6) أوصلت هذا الخرج إلى أبي الفضل، فأنت حرّ لوجه اللّه، وزوجتك وبنوك، فوضع الخرج بين يديه وعاد إلى مولاه ونقلت الكافّة عن الكافّة؛ أنّ أبا بكر بن أبي عقبة هذا لما خرج إلى الحج مات جمله وفاته أصحابه، فحمل زاده على رقبته وإذا بجمل يقول له: احمل زادك عليّ فقال له: ما يحلّ لي، ظهرك لمولاك. فقال له:
احمله على رقبتي، قال له: لا يحلّ لي، فقال له الجمل: رقتبي ليست لمولاي، ولا له عليها حمل. قال: لا يجوز لي تثقيلك، وإذا برجل قد أخذ الزّاد من على ظهر ابن أبي عقبة وسار به حتى أوصله إلى بطحاء مكّة. توفي ليلة الجمعة الثامن عشر من المحرم سنة تسع وستين وثلاثمائة، وصلّى عليه القاضي محمد بن
(1) في ط: له، التصويب من: ت.
(2) زيادة من: ت.
(3) في ت: إلى الآن.
(4) في ت: وضع.
(5) في ت: وألوان.
(6) سقط من: ت.