فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 128

و لحظه، متفقدا لخواطره وسرائره ووسواس نفسه، عامل اللّه بالصّدق، وعرف النّاس فانزوى عنهم ثم انبسط في آخر عمره لم ير في وقته أكبر همة ولا أصدق حالا منه، وله سؤالات سأل عنها أبا محمد بن أبي زيد تدلّ على تدقيقه في الورع وتحفّظه لدينه.

قلت: وكان سؤاله لأبي بكر بن اللباد قبله حسبما تقدم وهو قول أبي الحسن، اجتمع إلي جماعة في حانوتي بالقطّانين، بعد وفاة والدي، فقسموا قطنا بينهم فنفضت الموضع الّذي قسم فيه القطن فاجتمع فيه من القطن نحو من وزن أربعة دراهم، فذهبت إلى أبي بكر بن اللباد فسألته ما الّذي أصنع بالقطن، فانتهرني وقال لي: يا هذا سل عن وضوئك وصلاتك ودينك، فإن هذا وسواس. قال أبو الحسن:

فضاق صدري ولم أطق صبرا فغلبني البكاء والعبرة، فوثب إليّ وجذبني إلى نفسه وقبّلني بين عيني، وقال لي: أحسنت يا بني ما عرفتك، فقد قيل: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزن عليكم وتجهّزوا للعرض على اللّه» (1) . يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (18) [الحاقّة: 18] قال: ثم أمرني بما أصنع بالقطن.

قال: قيل: إنه لم يخلق الورع في الدنيا إلا لرجلين: أبي إسحاق السبائي، وأبي الحسن بن الحلّاف. روي عنه أنه قال رجل لسليمان الخواص: أ لا تغزو معنا؟ قال: بأي شيء أغزو معكم إني لفي جمع ثلاثة دراهم من حلّها منذ سنة! فقال له الرجل: لو كان النّاس هكذا ما غزى الرّوم أحدا، فقال له سليمان: لو كان النّاس هذا لكبّر المسلمون تكبيرة ينهدم لها سور القسطنطينية. وقال في وصيته إن ابن أخي يبيع الدار فأعلموا المشتري أن النمل في سقوفها، وأنّ الحناش (2) سكنتها فإذا ظهرت له فليؤذنها، فكان كما قال الشيخ، واشترى الدار الصّنوبري، فلما ظهرت له، آذنها فلم تعد (3) للخروج وكان مولده سنة ثلاثمائة وتوفي يوم الأربعاء في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وصلّى عليه أبو الحسن القابسي وكثر الناس حتى سدّوا الفضاء، وكان يوما صاحيا، والنّهار قد ارتفع، وإذا بشيء يسقط

(1) عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر (أي ابن الخطاب) : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا، أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، تزيّنوا للعرض الأكبر يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (18) [الحاقّة: 18] انظر هذا في كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي جمال الدين أبو الفرج: 1/ 119 المكتبة التجارية مكة المكرمة.

(2) الحناش: نوع من الحيّات.

(3) ط، ت: تعودوا. والصواب ما أثبتناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت