فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 1، ص: 70
ملاهيهم وخمورهم؛ فلما أصبحنا أخذنا مصافّنا كالذي كنا عليه بالأمس، فزحف بعضنا إلى بعض فأفرغ اللّه علينا صبره، وأنزل علينا نصره، ففتحناها من آخر النّهار، فأصبنا غنائم كثيرة وفيئا واسعا فبلغ فيه الخمس مائة ألف يصفّق عليها مروان بن الحكم، فتركت المسلمين قد قرّت أعينهم وأغناهم النّفل، وأنا رسوله إلى أمير المؤمنين أبشّره وإيّاكم بما فتح اللّه تعالى من البلاد، وأذلّ من الشّرك فاحمدوا اللّه عباد اللّه على آلائه وما أحلّ على أعدائه من بأسه الذي لا يردّ عن القوم المجرمين. ثم صمت فنهض إليه أبوه الزبير رضي اللّه تعالى عنه وقبّله بين عينيه وقال: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [آل عمران: 34] . واللّه يا بني ما زلت تنطق بلسان أبي بكر حتّى صمت. وعن عيسى بن مسكين (1) أنه قال: حدّثني أحمد بن محمد اللّخمي، قال: قال عبد اللّه بن حسان: سمعت عثمان رضي اللّه تعالى عنه لما أمر عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما أن (2) يقوم خطيبا بما كان من أمر الناس، فكان أول مقام قامه فانتهى ذلك إلى أبيه الزبير، فأقبل مسرعا وهو يقول: غفر اللّه لأمير المؤمنين، عرض هذا الغلام بهذا المقام بين أظهر النّاس وهو حديث السّنّ فلما دخل المسجد رآه قائما فرمى بنفسه في آخر الناس، ثم سأل اللّه عزّ وجل تسديده وتثبيته، فلم يزل عبد اللّه موفّقا في خطبته حتى فرغ. فعجب النّاس لبيانه وهني بذلك الزّبير، فقال: بأبي وأمّي لقد سمعت من كلامه ما أذكرني فوّهات (3) جدّه أبي بكر الصّدّيق رضي اللّه تعالى عنه. وأقام ابن أبي (4) سرح بسبيطلة، وهو الأمير على عسكره والحاكم بينهم، فلما رأى الرّوم الذين بالسّاحل ما حلّ بجرجير وأهل سبيطلة، غارت أنفسهم وتجمّعوا وكاتب (5) بعضهم بعضا وأمّلوا حرب ابن أبي سرح فخاف منهم لما معه من الغنائم، فكتب إلى خليفته بمصر يأمره أن يندب إليه
(1) هو عيسى بن مسكين بن منظور الإفريقي أصله من العجم، سمع من سحنون وابنه جميع كتبه.
توفي سنة 275 ه. ترجم له في: الديباج المذهب ص: 280 رقم 363، شذرات الذهب 2/ 220.
(2) سقط من: ط، الزيادة من: ت.
(3) الفوّهات، بضم الفاء وتشديد الواو: المقالات.
(4) في ط: أبي سرح. التصويب من: ت وهو الصواب.
(5) في ت: وكانت.