معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 186
عدمت منها، فأتوا إلى الشيخ أبي القاسم السيوري وعرّفوه، فأملاها عليهم من رأسه، ثم وجدت نسخة بالقيروان فقابلوا ما أملى عليهم الشيخ بها فوجدتا سواء.
قال: وكان مع ذلك عاقلا معلوما بالدين، والورع، والفضل، وبلغ من ورعه أنه لما اختلطت أموال الناس بالفتنة، امتنع من أكل اللّحوم، فكان لا يأكل منها إلا ما تحقق طيب كسبه، وكان لا يلبس الفرو، ولا النّعال، ولا الخفاف، إلا من جلود الوحش، ولا يكتب جواب مسألة، ولا غير ذلك إلا في رقّ قديم، أو ما كان من جلود الوحش، وكان مع ذلك شديد الورع في كل ما يحاوله.
قلت: قال عياض: «و له تعليق على نكت من المدونة أخذه عنه صحابه» (1) .
يريد واللّه أعلم أنه لم يؤلفه، وإنما أصحابه قيدوا عنه ذلك مما يسمعونه منه في درسه، لقول المازري في تعليقه على المدونة: لم يؤلف السيوري إلا كرّاسة وليس له تأليف، وسببها أنه بلغ من ورعه ما تقدّم، وقد بنى دارا لدبغ الجلود يكريها، فقام عليه من عاصره من المفتيين حينئذ فأنكروا عليه، فأخذ يستقرئ من المذهب قولا لمالك؛ بأن أولاد الماشية المغصوبة غلّة تطيب للغاصب كمذهب الشافعي الّذي يشتري جلود الخرفان ليدبغها، فقد قلّد مالكا في أنها غلة تطيب للغاصب فهو مباح لهم، قال: فأنا إنّما أخذت منهم في إجارة داري ما كان مباحا لهم بتقليدهم لمالك في ذلك، وإنما يحرم عليّ ما حرم عليهم.
قلت: حاصل جوابه أنه يكتسب بالشرع، ويأكل، ويلبس، بالورع وهو مذهب سحنون سعيد، فقد كان يملك من الزيتون بالسّاحل اثني عشر ألف زيتونة، ويعمد إلى شجرة منها فيخدمها ويقوم بها ويقول: أنا فيها مساقي! فيأخذ نصف ما يخرج منها يأتدم به وينتفع به، والنصف الآخر مع بقية الزيتون يخرجه للفقراء والمساكين، وقال أحمد بن نصر الداودي: «العكس أولى وهو الأكل بالشرع، والكسب بالورع، لأنّ الأكل ضروري لا بد منه، والكسب اختياري» .
قال عياض: «و يقال إنه مال أخيرا إلى مذهب الشافعي» (2) .
(1) ترتيب المدارك 4/ 770 (طبعة بيروت) ، 8/ 65 (طبعة وزارة الأوقاف المغرب) .
(2) ترتيب المدارك: 4/ 770 (طبعة بيروت) .