فهرس الكتاب

الصفحة 658 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 191

قال محمد بن شرف فأنشدته حتى بلغت إلى قولي:

كان القضاء إراثة فرددته ... شورى، ففاز بحقه المردود

يا فضلها من سيرة عمريّة ... هي للعباد رضى وللمعبود

قال: فلما بلغت في الإنشاد إلى هذا الموضع أكبّ السلطان على يده وقد قبضها كالمطرق والمفاجأ بأمر يحتاج إلى الفكرة فيه وتماديت في الإنشاد، والسّلطان لم يزل على حاله فيما أحسب، حتى أتممت الشعر، فخجلت للأمر وندمت على التغرير، وبقيت بعد تمام الإنشاد أتشاغل بطيّ الدّرج الذي الشعر فيه، ثم رفع رأسه وقال لي: أصرف الشّعر وأعد به غدا ثم قم فأنشده في آخر المجلس، وإياك أن يعلم أحد بما أوجبت لك به، فانصرفت والناس يتواعدون إلى البكور إلى السلطان لحضورهم تولية ابن هاشم في ظنهم، فلما كان في غد ذلك المساء، حضر النّاس وتهيأ ابن هاشم في خلعة القضاء، وتأهب للولاية، فلما استوى المجلس دعا السلطان بابن أبي زيد هذا، فقدّمه للقضاء بغتة ما علم أحد بالأمر حتى كان، ثم قمت فأنشدت الشّعر، قال: فقوم يتعجبون من لغته ونسخ النية، وقوم يتعجبون من تضمين الشّعر للمعنى في وقته، لا يدرون ما السبب، فكان يوما معجبا سرّ الناس به بتولية ابن أبي زيد، وابتهلوا فيه بالدعاء للسلطان، حتى علت أصواتهم بذلك، ولما ولي القضاء على رغم كثير ممن ذكرنا ممن أحب ولاية ولد القاضي ابن هاشم من أشياخه وأتباعه، أداهم ذلك عند ولاية قضائه إلى التصويب عليه بحبائل نصبوها، وأكاذيب كذبوها، وانتهى ذلك إلى السلطان فأمر بالنّداء بصبرة، والقيروان، بالاجتماع بالجامع، وأكّد في أن لا يتخلّف أحد، فاجتمع خلق عظيم، وحضر القاضي ابن أبي زيد هذا وسائر الفقهاء، ورجال السلطان وخاصته وجنده، وكان من الكلام ما يطول شرحه، وجملته أن سائر الفقهاء؛ أجمعوا على أنه عادل في أحكامه، كامل في أحواله، ليس له جرحة يعزل بها إلا من شذ من اتباع من ذكرنا، وجرى بين العوّام وسائر الفقهاء بعيدا من مجلس السلطان وعيانه أمر، لو لا هيبة المكان، وحضور القوّاد، لتفاقم الأمر، وآل إلى سفك الدّماء، أو ما يقرب منه، ثم انجلت تلك الغيابة الناشئة في أفق الغيّ الحاملة لما شاءه الجهل من صواعق الطّغيان والبغي، وأعقبها تأخره عن قضائهم، وقال له السلطان: قد رأينا أن عزلك أروح لك في دينك ودنياك، فأخرناك لا لجرحة. وكان تأخيره عن القضاء في آخر شهر رمضان من سنة ستة وثلاثين وأربعمائة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت