فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 1، ص: 75
و أساء عزلتي فغضب اليزيد وقال: أدركوها قبل أن يخرّبها، وردّ عقبة إليها وأزال ولاية مسلمة عنها وأقره بمصر وذلك سنة اثنتين وستين (1) من الهجرة فقدم عقبة إليها في عشرة آلاف فارس فوصل إلى القيروان، فأخذ أبا المهاجر فحبسه وقيّده وأخذ منه ما وجد بيده من الأموال فبلغ ذلك مائة ألف دينار ذهبا، وجدّد بناء القيروان وشيّدها ونقل إليها الناس فعمرت، وصلح (2) شأنها وعلا قدرها وأعزّ اللّه بها الإسلام، وأقرّ بها أعين الأنام. ثمّ إن عقبة خرج بأصحابه وبكثير من أهل القيروان إلى المغرب واستخلف عليها عمر بن علي القرشي وزهير بن قيس البلوي (3) وخرج بأبي المهاجر معه موثوقا ولما خرج عقبة دعى بأولاده فقال لهم:
[وصية عقبة بن نافع لأبنائه وفيها من جوامع الحكم والآداب]
إني بعت نفسي من اللّه ولا أدري ما يقضي علي في سفري، ثم قال: «يا بني إني أوصيكم بثلاث خصال فاحفظوها ولا تضيعوها: إياكم أن تملئوا صدوركم شعرا وتتركوا القرآن، املئوا [صدوركم] (4) من كتاب اللّه فإنّه دليل على اللّه، وخذوا من كلام العرب ما تهتدي به ألسنتكم ويدلكم على مكارم الأخلاق، ثم انتهوا عما وراءه؛ وأوصيكم أن لا تداينوا ولو لبستم العباء فإن الدّين ذلّ بالنهار وهمّ باللّيل، فدعوه تسلم لكم أقداركم وأعراضكم وتبقى لكم الحرمة مع النّاس ما بقيتم؛ ولا تقبلوا العلم من المغرورين المرخصين فيجهّلوكم (5) دين اللّه، ويفرقوا بينكم وبين اللّه، ولا تأخذوا دينكم (6) إلا من أهل الورع والحيطة، فإنه أسلم لكم، ومن احتاط سلم ونجا (7) ثم قال (8) : وعليكم سلام اللّه، وأراني لا تروني بعد يومكم هذا» . [ثم قال: اللهم تقبل نفسي في رضاك، واجعل الجهاد رحمتي من دار كرامتي عندك] (9) .
ثم سار لا يدافعه أحد حتى انتهى إلى باغاي والروم يهربون من طريقه يمينا وشمالا
(1) كتبت عددا في ط 62 ه.
(2) في ت: وعظم.
(3) فتوح مصر والمغرب ص: 222.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من: ط الزيادة من: ت.
(5) في ط: فيعلوكم، وفي ت: فيحلونكم، التصويب من رياض النفوس ص: 34 وهو الأقرب إلى الصواب.
(6) في ط: دينا، التصويب من: ت.
(7) في ت: ونجا فيمن نجا.
(8) إسقاط الواو من: ت.
(9) ما بين المعقوفتين سقط من: ط. الزيادة من: ت، ورياض النفوس ص: 34.