معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 31
جميع الزرع. فنظروا فإذا هو غيث بن قاسم الحكيمي هذا. فهي كرامة للشيخ الدكالي وكرامة للشيخ غيث، إذ سمع قول الشيخ، وبين سوسة والقيروان ستة وثلاثون ميلا (1) مع كونه عمل المسافة خطوة أو خطوتين.
و بنى دارا خارج القيروان المختصر وسكنها بأهله، وبنى المسجد المعروف بمسجد الشيخ ابن عبد الرحمن الحبلي، وبنى الناس بجواره يمينا وشمالا حتى كثر الخلق بربضه، وكان يذب عن أهله غاية الذب، وإذا غلبه أمر استعان بغيره.
فذكر الشّيخ أبو عبد اللّه محمد بن عثمان (2) : أنّ الشّيخ الصّالح أبا رحمة غيث هذا، جاء إلى الشيخ أبي علي سالم القديدي بزاويته [بقديد] (3) ، فلما سلّم عليه قال له: ما جاء بك يا أبا حرمة غيث؟ قال: يا سيدي أبا علي سالم، الذئب يدخل الزّريبة وأنت في الحياة قال له: وما الأمر؟ قال له: ابن عتيق تحلّف في الربض أن يهدمه (4) ! يكون هذا وأنت في الحياة! وكان من قواعد أبي عبد اللّه المستنصر (5) باللّه (6) ، قال: لا تخف ما يجري بحمد اللّه إلا الخير والعافية، فإن عوائد اللّه بنا جميلة سبحانه لا إله إلا هو، استرح وأزل هذا التّعب من خاطرك. وكان ابن عثمان نزل تلك الليلة بمنزل الأجم في محلة كبيرة، فبعث الشيخ له رجلين بعد صلاة العشاء الآخرة وقال لهما: قولا له يصل إليّ غدوة. فلمّا وصل إلى باب الزاوية نزل على ظهر جواده ومشى على قدميه حتى وصل إلى الشيخ وتمرّغ على قدميه وقال له:
يا سيدي ما حاجتك؟ ومعتقدك عامل على زيارتك، فقال له: كيف تعمل على زيارتي وقلبك عامر بالمضرة للناس؟ ثم إنك تتحلّف في أهل الربض، وهذا الشيخ أبو رحمة بين أظهركم (7) ، فإن كنت تحبني فحبّه وأكرمه واترك ما خطر لك من ضرر الربض وغيره. فقال: نعم ما تأمرني به بالسمع (8) والطاعة. فلما رأى إكرامه بالشيخ غيث وقع على رجليه يقبلهما، وعظمه لتعظيم الشيخ سالم له. فقدم الشيخ طعاما،
(1) الميل يساوي- 1506 مترا.
(2) انظر ترجمته رقم 359.
(3) سقط من: ت.
(4) ت: يدمه.
(5) ت: المنتصر.
(6) هو أبو عبد اللّه محمد بن يحيى بن عبد الواحد الهنتاتي نسبة إلى هنتاتة قبيلة من البربر بالغرب كان ملكا شديد البأس تملّك تونس سنة 647 ه. توفي سنة 675 ه. ترجم له في شذرات الذهب 5/ 349.
(7) في ت: أظهرهم.
(8) ت: فالسمع.