معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 43
جمع من الفقراء الواردين عليه، وهو مشتغل ببعض خدمتهم، وعليه لباس غير الذي رأيته فسلّمت عليه، وهجس في نفسي اللباس الذي رأيته عليه قبل، فقام وغاب عنا، ثم عاد (1) وعليه اللباس الذي رأيته ببني خيرة، ثم قال لي: يا سالم! إن الموضع الذي صليت به من رباط المنستير موضع مبارك، منه عرفت اللّه عزّ وجل.
و قال لي ذات يوم: يا سالم سحت كثيرا، وجاهدت كثيرا، وجعت كثيرا، وما سعت رجلاي إلا برزقك، ولو خيرت لكانت هذه الطريقة لبعض أولادي، ولكن لم يقض (2) ذلك إلا لك، فأقمت عنده أياما (3) يؤانسني، ويحدثني بما جرى له في السّياحة، وما لقي من الأولياء والأبدال، وكنت آكل معه دون غيري ممن سبقني إليه. ويقول لي: يا سالم أبشر، ما ينال هذا السّرّ الذي عندي غيرك وَ أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) [الحديد: 29] . ثم قال: سر إلى أهلك، وأخذ بيدي وسار معي خارج القلعة يشيّعني. ولم يفعل ذلك مع أحد غيري ثم قال لي: سر في حفظ اللّه وأوصيك بتقوى اللّه العظيم، واتّباع كتابه وسنّة نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ثم أوصيك بإبرار الوالدة فإن معها سر اللّه عزّ وجل.
ثم أخذت في العبادة، والمجاهدة، والجوع، وكنت لا أفطر إلّا على قدر أوقية من الطعام، فأقمت على ذلك مدة، ثم مشيت، فلما وصلت إليه، وجدته على ربوة خارج القلعة فسلّمت عليه، فقال لي: مرحبا بك يا سالم إني في انتظارك منذ أربعة أيام، ولم آكل طعاما، وأراني الطّعام الذي عادته يفطر عليه فكبيت عليه، وقبّلت يده، وعلمت أني لما (5) أتحرك لزيارته إلا بخاطره، وعلمت أنه يحبني. ثم اختلى بي وقال لي: ارفق بنفسك يا ولدي، فإنّ دين اللّه يسر «إن اللّه يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» (6) . فأقمت عنده أياما فقال لي: يا سالم امش إلى منزلك وافتح زاوية ينتفع الناس [بها] (7) على يديك، فقلت له: يا سيدي إني لا أقدر على ذلك ولا أطيقه، لأن السّاحل عامر بأولياء اللّه تعالى وفيه طوائف، وهم
(1) ت: عاود.
(2) ت: لم يقض «اللّه» .
(3) ت: يوما.
(4) بدأت الآية في النسختين ب «فإنّ الفضل» والصواب «و أنّ» كما جاء في الآية.
(5) ت: لا.
(6) (*) عزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى أحمد والبيهقي من رواية ابن عباس وابن مسعود ورمز له ب (ض) أي ضعيف.
(7) زيادة من: ت.