معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 80
و كان كثير الاجتهاد في أفعال البرّ كلّها؛ أنفق مالا كثيرا في جامع القيروان، بنى القبّة العظمى التي على الباب الشرقي من أبواب البيت، أقامها على عمد الرخام، وشقق الرخام، اشتمل أعلاها وأسفلها على نحو الأربعين عمودا ونيّف إنفاقه عليها [ما يزيد] (1) على ألف دينار، وأجرى الجيار على أكثر مجنبات الجامع، وكان قد تقلع جيارها، وبنى الميضاة التي في قبلي الجامع الأعظم في غربي الموضع المعروف في القديم بدار الإمارة، ودعمها تدعيما جيدا، وسقفها بالمربع المنجور، وجعل لها أحواضا من الحجر المنجور برسم الوضوء، وبيوتا للطهارة فيها أحواض من خارجها، وسعى في تحبيس حانوت عليها برسم تنويرها، وما تحتاج الميضاة إليه من حبال وأدلية، وغير ذلك من ضرورياتها، وجعل فيها ما جلا لخزن الماء العذب. وبنى فصيلا بباب نافع حفظا للبلد، وملجأ لمن (2) يأتي ليلا إلى المدينة من القوافل وغيرها، وجعل فيه مسجدا مسقفا، مصونا (3) بالغلق. وفي قبلته ميضاة كبيرة لغسل الموتى، وحبس عليها أيضا حانوتا برسم ما تحتاج إليه الميضاة المذكورة، واشترى جنانا جديدا (4) بمقربة من مقبرة السيوري رحمه اللّه ونفع به، جعله مدفنا للمسلمين، وجعل حائطا على جهتها، وعلى المقبرة المتصلة به، يزيد ارتفاعه على قدّ، ولبّس (5) بالجير صيانة للقبور عن البهائم وغيرها؛ وجعل في الجنان المحبس ما جلا لخزن الماء العذب، وجعل له سطحا ملبسا بالجير لجلب الماء للماجل المذكور. ولما فرغ منه اعتلّ علته التي توفي منها.
قلت: ولا منافاة بين كونه متقلّلا من الدنيا، زاهدا فيها، راضيا فيها باليسير في مطعمه، وملبسه، مع ما بعده لحمل ما فعل (6) ، إنما هو من عند اللّه ويده في ذلك عارية [فنسب ما ذكر له لوقوفه، فكأنه أنفق ذلك من عنده] (7) .
و محمل قوله: وسعى في تحبيس حانوت على أنه مبني، لا أنه أنشأ بناءه كما أنشأ بناء غيره، ولا يقال: إنما كان متقللا في قوته وملبسه كما تقدم اللفظ بذلك، ولا يلزم من ذلك أنه لا مال له، لأن قوله: كان شديد المبالغة في كتم الفاقة.
(1) سقط من: ت.
(2) ت: من.
(3) ت وط: مصانا.
(4) سقط من: ت.
(5) ت: ولبّسه.
(6) ت: فعله.
(7) زيادة من: ت.