معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 199
حضر: قدّمه للنيابة عنك (1) فإنه سبقت له الخطبة قبل رحلته لتونس بجامع الزيتونة بالربض، فبلغني أنه قيل له: كان يخطب في كل جمعة بخطبة جديدة، فإن نيته يطلب عليه النّاس، فتخاف أنه يرجح عنك، فاختار الفقيه أبا محمد عبد اللّه هذا، فقدمه نائبا عنه، فلما رجع إلى القيروان بعد غيبته مدة من أشهر مكّنه الخطيب من خطبته، ومشى لتونس، فتكلم له من ناب عنه بأنه يقدم خطيبا، وكان السلطان أعطاه قبل ذلك ثمانين دينارا ذهبا، وكسوة، ومرة أخرى نحو ذلك بعد تقديمه. ليأخذ المرتب المعروف على الإمامة بالجامع صلاة وخطبة ليستعين به، وذلك ثلاثة أرباع ثمن الدينار لكل يوم، فقدمه السلطان المذكور على ما ذكر، وكنت حينئذ بتونس، وعرضت لي بالقيروان حاجة ضرورة، فلما وصلت إليها مشيت لأسلّم على القاضي، فقال لي: سمعنا أنّ الشّريف قدّم خطيبا وإماما ولا صحّ عندنا، قلت له: تقدم، وخرّج له الظهير، فضجر من ذلك غاية الضّجر حينئذ، ووصل وصلّى بالجامع الخطبة وسائر الصلوات، فكتب فيه رسما بما يقتضي تجريحه (2) ، وبعث به للسلطان، فمشى هو له، لكونه كان مسافرا، وعرّفه وقال: أو من ناب عنه: يا مولانا، لما أن قدّمني القاضي نائبا صلّى معي (3) جميع الناس ولا متكلم، واليوم لما قدمتموني بظهيركم الكريم، عملوا فيّ رسما، وعلوّ النظر لكم، فلما وصل الرسم وفيه شاهدان، فعرفت بأن السلطان كتب تحته: لا عمل على شهادتهما، لثبوت عداوتهما له عندي، فبقي يصلي مدة. ولم يصلّ شيخنا الفقيه القاضي المفتي أبو يوسف يعقوب الزعبي وراءه، وصلّى في داره ظهرا أربعا، فسمعت أن الشيخ أبا سمير عبيد الغرياني قال له: هذا لا يليق بك، إما أن تصلي خلفه، وأعد الظّهر أربعا، وإما أن تخرج للرّبض (4) ، وتصلي الجمعة، فاختار الثاني، فكان يخرج ويصلي مأموما، ومات السلطان، وتقدم عوضه ولده أبو فارس عبد العزيز، فكتب له فيه رسما بشهادة شهد فيه غير العدول، وأثبته القاضي بما يقتضي عزله، فلم يعمل عليه (5) ،
(1) سقط من: ت.
(2) ت: تخريجه.
(3) ت: ورائي.
(4) في ت وط: الربظ. والصواب بدون رقبة، فربض الشيء وسطه، وربضه: نواحيه. ومنه قيل: ربض المدينة. راجع أدب الكاتب لابن قتيبة ص: 208، دار الكتب العلمية، بيروت ط I س 1988.
(5) سقط من: ت.