معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 210
تفطر عندنا، فأبيت عليه وانصرفت، وغرضي [بذلك] (1) الشفقة عليه، فلما وصلت باب تونس، وسمعت المؤذن يقيم الصلاة لصلاة المغرب في جامع (2) أبي ميسرة، فرمت الدخول للصلاة فلم أستطع، ورمت الجواز لموضعي فما قدرت، وحسّيت (3) كأن في قلبي جمرة من نار، وعرفت أني أوتيت من جهة الشيخ، فرجعت له مبادرا، فوجدته في باب الدار، فلما رآني بادرني بأن قال: لو لا أنك جئت لأحرقت مكانك، وصليت معه المغرب.
قال: وجرت عادتي إذا أراد أن ينام نغطّيه ولا ننصرف عنه، حتى ينام ونسمع غطيطه، وحينئذ أنصرف للركن الآخر معه، فعملت ليلة من الليالي كذلك، فلما أخذت مضجعي قلت في نفسي: نتمنى عليه أن لو أراني الكعبة، وإذا هو استيقظ من نومه كأنه مرعوب (4) ، وقال: يا سيدي عبد اللّه، إن كان تعرفني للّه تعالى نتعارف، وإن كان لرؤية الكعبة فما يعرف بعضنا بعضا. فقلت له: يا سيدي، أنا تائب، ولا تؤاخذاني فإني صغير السن.
و كان ولده أبو الحسن علي من الصالحين، وظهرت له كرامات وهو الذي تقدم ذكره، وأنه الذي غسّل الشيخ أبا عمران موسى المناري، وذلك أنه رأى في منامه بجبل وسلات، كأن صومعة جامع القيروان سقطت، فقال في نفسه لما استيقظ: ما هو إلا سيدي موسى توفي، لأنه لا أرفع منه، فسرى في بقية ليله.
و كان أبو عمران موسى المذكور لما حضرته الوفاة أوصى أن لا يغسله إلا الحاج علي بن قائد، فقيل له: إنه في وسلات، قال: يجيء إن شاء اللّه تعالى فبعثوا له بكرة لأنه مات بالليل، فاجتمعوا بباب البلد.
و توفي أبو عبد اللّه محمد أواسط جمادى الأولى سنة 808 ه ودفن بالجبانة الغربية وقبره مزار رحمة اللّه تعالى عليه ورضوانه لديه آمين آمين.
قد نجز بحمد اللّه وحسن عونه الجزء الرابع وبه انتهى كامل كتاب معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان والحمد للّه أولا وآخرا وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلّم.
(1) سقط من: ت.
(2) ت: جامع.
(3) حسيت كلمة عامية المراد بها: أحسست.
(4) ت: مرعب.