فهرس الكتاب

الصفحة 950 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 35

المخلوقات، حتى إذا سمعت صياح الدّيك كأني أحرق بالنار، فظن إخوتي بي الظنون وكووني في رأسي، وانقطعت عن الناس، ثم ذهبت إلى المسجد فوجدت به رجلا فأقمت معه فيه، ثم خرج منه إلى البريّة، فلما أخذ نفسي الجوع أحضر لي طعاما فأكلت برغبة فقال: أنت في الأكل مهبول (1) ، ثم مشينا إلى المسجد فصلّينا العشاء، ثم رقدت وقام وهو يصلي فقلت في نفسي: هذا وليّ من أولياء اللّه تعالى، يصلّي وأنا نائم، فقمت أصلّي فلم نزل نصلّي حتى طلع الفجر. ومن تلك الليلة ما تركت الصّلاة معه إلى الآن، فلما صلّينا الصّبح قال لي: قم فإني في هذه الساعة أمروني بالمشي إلى مكة فمضى، وقال لي: أنا مشيت ولا نلقاك إلا رجلا، فلما ودّعني ومشى أعطاني خدّاما (2) فجعل ذلك الخدام يقول: أنا القطب، أنا الغوث، أنا كذا أنا، كذا وامض إلى المجاهدي يخبرك عني، فمشيت إلى سيدي محمد المجاهدي فوجدته عند باب داره فقال لي: هو كذلك، وصار ذلك الخدام يعودني في وضوئي وصلاتي وشأني كله أكاد أن لا آتي بحرف بعد حرف إلا بإذنه فإذا عجلت يقول لي: أخي تأدّب، وكان رضي اللّه عنه يرى أحوالا، وأمورا يشكل عليه أمرها قال: فلما كثر علي ذلك قصدت زيارة القيروان فآويت إلى زاوية سيدي عامر الزعبي فكنت أبيت بها، فصليت ليلة ما كتب وقلت: إلهي وسيدي ومولاي، إن كانت هذه البواعث التي تأتيني حقّا، فأبعث لي وليّا من أوليائك في هذه الليلة يثبّتني، فما لبثت أن دخل علي رجل وقام يصلّي فقربت منه فقال: من هذا؟ فقلت:

أنا يا سيدي فقال: أنت أبو القاسم؟ فقلت: نعم يا سيدي، أما إني على هداية ما أعلم عليها أحدا أو على ضلالة ما ضلها أحد غيري. فقال لي: اثبت على حالتك التي أنت عليها، وصاحبك ما هو يرعى إلا فيك. قال: وقد تقدم أن الشيخ سيدي علي الخياط رضي اللّه عنه يعرض عليه نفسه ويأتيه لبلده ليأخذ عليه، فلم يفعل حتى قال مرة: لو كان الأمر باختياري لكان ولدي أحق بهذا يأمرني بدخول الخلوة والمكث فيها أربعين يوما، ويعين لي مكانها فلم أفعل. فبينما أنا ذات يوم تحت الزيتونة إذ أقبل عليّ رجل راكب على ثني (3) أشقر من الخيل وقال: أنا صادق الأمة

(1) مهبول: كلمة عامية، والمراد بها الأحمق فاقد العقل.

(2) خدّاما: أي معينا.

(3) استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة. راجع مادة «ثني» في كتاب لسان العرب 15/ 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت