إنما هو فأينا، كذلك هاهنا المعنى بيننا، وكرر للتأكيد. وأما قوله تعالى: {عَوَان بَينَ ذَلِكَ} فأضاف [1] (بين) إلى ذلك من حيث جاز إضافته إلى القوم وما أشبه ذلك من الأسماء التي تدل على الكثرة وإن كانت مفردة، وإنما جاز أن يكون قولنا: (ذلك) يراد به مرة الانفراد ومرة الجمع والكثرة لمشابهته الموصولة كـ (الذي وما) .
ألا ترى أن القبيلين يشتبهان في دلالة كل واحد منها على شيء بعينه. ألا ترى أن (الذي) لا يدل على زيد دون عمرو، و (ما) لا يدل على الفرس دون الحمار، وكذلك (من) ، فكان [2] قولنا (ذلك) وسائر المبهمة كذلك، فلما كان (الذي وما ومن) على ما وصفنا من الدلالة على الجموع والإفراد، وكانت تفرد والمراد في إفرادها الجمع في نحو قوله: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) } [الزمر: 33] و {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] و {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] ونحو ذلك مما يكثر تعداده، وكانت المبهمة مثلها في أنها لا تخص [3] بالدلالة نوعًا ولا شخصًا بعينه، أجري مجراها في أن المراد فيما استعمل منه مفردًا قد يكون الجماعة [4] .
وهذا واسع مستحسن في جميع المبهمة، فمن المبهمة (كم) في قوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ} [النجم: 26] ، وقال: وَكَم
(1) في (ب) ، (ج) : (فأضيف) ، وفي"الإغفال": (فإنما أضيف ..) ص 228.
(2) في (ب) : (وكان) .
(3) في (ب) ، (ج) : (لا تختص) ، وما في (أ) موافق و"الإغفال"ص 229.
(4) في"الإغفال": (لجماعة) ص 229، وعبارته أوضح.