ووصف العتابي [1] رجلا بليغا فقال: كان يظهر ما غمض من الحجّة، ويصوّر الباطل في صورة الحقّ، ويفهمك الحاجة من غير إعادة ولا استعانة. قيل له: وما الاستعانة؟
قال: يقول عند مقاطع كلامه يا هناة، واسمع، وفهمت! وما أشبه ذلك. وهذا من أمارات العجز، ودلائل الحصر! وإنما ينقطع عليه كلامه فيحاول وصله بهذا، فيكون أشدّ لانقطاعه.
وكان أبو داود يقول: رأس الخطابة الطّبع، وعمودها الدّربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر اللفظ والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه.
وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: قال بعض جهابذة الألفاظ، ونقّاد المعاني:
المعاني القائمة في صدور الناس، المختلجة في نفوسهم، والمتصوّرة في أذهانهم، المتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفيّة، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أمره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلّا بغيره، وإنما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إياها.
وهذه الخصال هي التي تقرّبها من الفهم، وتجلّيها للعقل، وتجعل الخفيّ منها ظاهرا، والغائب شاهدا، والبعيد قريبا. وهي التي تلخّص الملتبس، وتحل المنعقد، وتجعل المهمل مقيّدا، والمقيّد مطلقا، والمجهول معروفا، والوحشي مألوفا، [والغفل موسوما[2] ، والموسوم معلوما]وعلى قدر وضوح الدلالة، وصواب الإشارة، وحسن الاختصار، ودقّة المدخل، يكون ظهور المعنى. وكلّما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور، كانت أنفع وأنجع في البيان. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الذي سمعت الله يمدحه، ويدعو إليه، ويحثّ عليه بذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخرت العرب، وتفاضلت أصناف العجم.
والبيان: اسم لكل شيء كشف لك عن قناع المعنى، وهتك لك الحجب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله، كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان ذلك الدليل لأنّ مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل
(1) العتابي: هو كلثوم بن عمرو شاعر محسن وكاتب مجيد، توفي في حدود 220هـ. ترجمته في الشعر والشعراء (ص 740) والأغاني (ج 13ص 122) ومعجم الشعراء (ص 351) وفوات الوفيات (ج 3ص 219) ووفيات الأعيان (ج 4ص 122) والفهرست (ص 186) ومعجم الأدباء (ج 5 ص 18) .
(2) الغفل: الذي لا علامة له، والموسوم: ذو العلامة. لسان العرب (غفل) و (وسم) .