فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 993

والسامع إنما هو الفهم والإفهام فبأيّ شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع.

ثم اعلم حفظك الله! أنّ حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ لأنّ المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وأسماء المعاني محصورة معدودة، ومحصّلة محدودة.

وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ أو غيره خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللّفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخطّ، ثم الحال التي تسمّى نصبة.

والنّصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات.

ولكل واحدة من هذه الدلائل الخمسة صورة بائنة [1] من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، وعن حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأقدارها، وعن خاصّها وعامّها، وعن طبقاتها في السارّ والضارّ، وعما يكون منها لغوا بهرجا [2] ، وساقطا مطّرحا.

وفي نحو قول أبي عثمان: «إنّ المعاني غير مقصورة ولا محصورة» يقول أبو تمام الطائي لأبي دلف القاسم بن عيسى العجليّ [3] [الطويل]

ولو كان يفنى الشعر أفنته ما قرت [4] ... حياضك منه في العصور الذّواهب

ولكنه فيض العقول إذا انجلت [5] ... سحائب منه أعقبت بسحائب

كما أشار إلى قول أوس بن حجر الأسدي: [الطويل]

أقول بما صبّت عليّ غمامتي ... وجهدي في حبل العشيرة أحطب [6]

وقال بعض البلغاء: في اللسان عشر خصال [7] محمودة، أداة يظهر بها البيان، وشاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل الخطاب، وواعظ ينهى عن القبيح، وناطق يردّ الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، ومعرب يشكر به الإحسان، ومعزّ تذهب به الأحزان، وحامد يذهب الضغينة، ومونق يلهي الأسماع.

(1) البائنة: المتميّزة عن غيرها. لسان العرب (بين) .

(2) البهرج: الرديء. لسان العرب (بهرج) .

(3) ديوان أبي تمام (ص 43) .

(4) في الديوان: «أفناه» بدل «أفنته» . وقرت: أخذت. لسان العرب (قرا) .

(5) في الديوان: «صوب» بدل «فيض» .

(6) أحطب في حبل العشيرة: أستعين بها كما يستعين الحاطب بالحبل. لسان العرب (حطب) .

(7) ما يذكره هنا هو إحدى عشرة خطة وليس عشرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت