فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 993

وقال أبو العباس بن المعتز: لحظة القلب أسرع خطرة من لحظة العين، وأبعد مجالا، وهي الغائصة في أعماق أودية الفكر، والمتأملة لوجوه العواقب، والجامعة بين ما غاب وحضر، والميزان الشاهد على ما نفع وضرّ، والقلب كالمملي للكلام على اللسان إذا نطق، واليد إذا كتبت، والعاقل يكسو المعاني وشي الكلام في قلبه، ثم يبديها بألفاظ كواس في أحسن زينة، والجاهل يستعجل بإظهار المعاني قبل العناية بتزيين معارضها، واستكمال محاسنها.

وقيل لجعفر بن يحيى البرمكي: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويكشف عن مغزاك، ويخرجه من الشركة، ولا يستعان عليه بالفكر، ويكون سليما من التكلّف، بعيدا من الصّنعة، بريئا من التعقيد، غنيّا عن التأويل.

وذكر سهل بن هارون [1] وقيل ثمامة بن أشرس جعفر بن يحيى فقال: قد جمع في كلامه وبلاغته الهذّ [2] والتمهل، والجزالة والحلاوة، وكان يفهم إفهاما يغنيه عن الإعادة للكلام. ولو كان يستغني مستغن عن الإشارة بمنطقه لاستغنى عنها جعفر. كما استغنى عن الإعادة فإنه لا يتحبّس ولا يتوقّف في منطقه ولا يتلجلج، ولا يتسعّل، ولا يترقّب لفظا قد استدعاه من بعد، ولا يتلّمس معنى قد عصاه بعد طلبه له.

وقيل لبشّار بن برد: بم فقت أهل عمرك، وسبقت أهل عصرك، في حسن معاني الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأني لم أقبل كلّ ما تورده عليّ قريحتي، ويناجيني به طبعي، ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسرت إليها بفهم جيد، وغريزة قوية، فأحكمت سبرها، وانتقيت حرها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت من متكلّفها، ولا والله ما ملك قيادي قطّ الإعجاب بشيء مما آتي به.

وكان بشار بن برد خطيبا، شاعرا، راجزا، سجّاعا، صاحب منثور ومزدوج، ويلقب بالمرعّث لقوله [3] : [مجزوء الخفيف]

(1) سهل بن هارون: كاتب بليغ، وشاعر، وخطيب كان شعوبيا يتعصّب للعجم على العرب. توفي سنة 215هـ. ترجمته في فوات الوفيات (ج 2ص 84) ومعجم الأدباء (ج 3ص 404) والفهرست (ص 139) وهدية العارفين (ج 1ص 411) والعقد (ج 6ص 200) والبيان والتبيين (ج 1ص 52، 58، وصفحات أخرى متفرقة) والأعلام (ج 3ص 143) .

(2) الهذّ: السرعة. لسان العرب (هذذ) .

(3) لم يرد البيتان في ديوان بشار بن برد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت