من لظبي مرعّث [1] ... ساحر الطّرف والنظر
قال لي لن تنالني ... قلت أو يغلب القدر
وليس هذا موضع استقصاء ذكره، واختيار شعره، وسأستقبل ذلك إن شاء الله.
وقال الوليد بن عبيد البحتري: كنت في حداثتي أروم الشّعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضابه، حتى قصدت أبا تمام، وانقطعت فيه إليه، واتّكلت في تعريفه عليه فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة جرت في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السّحر وذلك أن النّفس قد أخذت حظّها من الراحة، وقسطها من النوم، وإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رشيقا، والمعنى رقيقا، وأكثر فيه من بيان الصّبابة، وتوجّع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، فإذا أخذت في مديح سيّد ذي أياد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرّف مقامه، ونضّد المعاني [2] ، واحذر المجهول منها، وإيّاك أن تشين شعرك بالألفاظ الرديئة، ولتكن كأنك خيّاط يقطع الثياب على مقادير الأجساد. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل شعرك إلّا وأنت فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذّريعة إلى حسن نظمه فإن الشهوة نعم المعين، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين، فما استحسن العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إن شاء الله.
قال: فأعملت نفسي فيما قال فوقفت على السياسة.
وقالوا: البليغ من يحوك الكلام على حسب الأماني، ويخيط الألفاظ على قدود المعاني.
ولذكر الطائي الليل ذكر بعض أهل العصر وهو أبو علي محمد بن الحسن ابن المظفّر الحاتمي [3] الليل فقال: فيه تجمّ الأذهان [4] ، وتنقطع الأشغال، ويصحّ النظر،
(1) المرعّث: الذي يلبس الرّعثة وهي القرط. لسان العرب (رعث) .
(2) نضّد المعاني: ضمّ بعضها إلى بعض. لسان العرب (نضد) .
(3) محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي: أديب ناقد، من أهل بغداد، توفي سنة 388هـ. ترجمته في بغية الوعاة (ص 35) وتاريخ بغداد (ج 2ص 214) ومعجم الأدباء (ج 5ص 313) ووفيات الأعيان (ج 4ص 362) والمحمدون من الشعراء (ص 230) والوافي بالوفيات (ج 2ص 343) والأعلام (ج 6ص 82) .
(4) تجمّ الأذهان: تستريح. لسان العرب (جمم) .