وذكر عمر بن علي المطوّعي [1] في كتاب ألّفه في شعر أبي الفضل ومنثوره والشعراء، فقال: رأيت أهل هذه الصناعة قد تشعّبوا على طرق، وانقسموا على ثلاث فرق، فمنهم من اكتسى كلامه شرف الاكتساب دون شرف الانتساب كالمكتسبين من الشعراء بالمدائح، المترشحين بها لأخذ الجوائز والمنائح، وهم الأكثرون من أهل هذه الصناعة ومنهم من شرفت بنات فكره عند أهل العقول، وجلبت لديهم فضائل القبول، لشرف قائلها، لا لكثرة عقائلها، وكرم واشيها، لا لرقّة حواشيها، كالعدد الكثير، والجمّ الغفير، من الخلفاء والأمراء والجلّة والوزراء ومنهم من أخذ بحبل الجودة من طرفيه، وجمع رداء الحسن من حاشيتيه، كامرىء القيس ابن حجر الكندي في المتقدّمين، وهو أمير الشعراء غير منازع، وسيّدهم غير مجاذب ولا مدافع، وعبد الله بن المعتز بالله أمير المؤمنين في المولدين، وهو أشعر أبناء الخلافة الهاشمية، وأبرع أنشاء الدولة العباسية، ومن جلّ كلامه في التشبيه، عن أن يمثّل بنظير أو شبيه، وعلت أشعاره في الأوصاف، عن أن تتعاطاه ألسنة الوصّاف والأمير أبي فراس بن حمدان فارس البلاغة، ورجل الفصاحة، ومن حكمت له شعراء العصر قاطبة بالسيادة، واعترفت لكلامه بالإحسان والإجادة، حتى قال أبو القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب: بدىء الشعر بملك وختم بملك، يعني أمرأ القيس وأبا فراس وهذه الطائفة أشهر الثلاثة تقدّما، وأثبتها في مواطن الفخر ومواطىء الشرف قدما، وأسبق الشعراء في ميدان البلاغة، وأرجحهم في ميدان البراعة فإنّ الكلام الصادر عن الأعيان والصدور، أقرّ للعيون وأشفى للصدور، فشرف القلائد بمن قلّدها، كما أن شرف العقائل بمن ولّدها: [الوافر]
وخير الشّعر أكرمه رجالا ... وشرّ الشّعر ما قال العبيد
وإذا اتفق من اجتمعت فيه هذه الشرائط، وانتظمت عنده هاتيك المحاسن، كان خليقا بأن تخلّد في صحائف القلوب أشعاره، وتدوّن في ضمائر النفوس آثاره، وتكتب على الأحداق والعيون أخباره، وجديرا بأن يختصّ بسرعة المجال في المجالس، وخفّة المدار في المدارس، كالأمير الجليل السيد مولانا: [الطويل]
أبى الفضل من نال السماء بفضله ... ومن وعدته نفسه بمزيد
تودّ عقود الدرّ لو كنّ لفظه ... فينظمها من توأم وفريد
(1) عمر بن علي المطوّعي: أديب من أهل نيسابور. خدم في شبابه الأمير أبا الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي. توفي نحو 440هـ. يتيمة الدهر (ج 4ص 433) والأعلام (ج 5ص 55) .