ثم استعرت فيه بيان أبي إسحاق الصابي حيث يقول للصاحب «ورّثه الله أعمارها، كما بلّغه في البلاغة أنوارها» : [السريع]
الله حسبي فيك من كلّ ما ... تعوّد العبد على المولى
فلا تزل ترفل في نعمة ... أنت بها من غيرك الأولى
وقال في فصل منه: وما أنس لا أنس أيامي عنده بفيروزاباد، إحدى قراه برستاق جوين، سقاها الله ما يحكي أخلاق صاحبها من سيل القطر، فإنها كانت بطلعته البدرية، وعشرته العطرية، وآدابه العلوية، وألفاظه اللؤلؤية، مع جلائل نعمه المذكورة، ودقائق كرمه المشكورة، وفوائد مجالسه المعمورة، ومحاسن أقواله وأفعاله التي يعيا بها الواصفون أنموذجات من الجنّة، التي وعد المتّقون، وإذا تذكرتها في المرابع التي هي مراتع النّواظر، والمصانع التي هي مطالع العيش الناضر، والبساتين التي إذا أخذت بدائع زخارفها، ونشرت طرائف مطارفها، طوي لها الديباج الخسرواني [1] ، ونفي معها الوشي الصّنعاني [2] ، فلم تشبّه إلّا بشيمه، وآثار قلمه، وأزهار كلمه، تذكرت سحرا وسيما، وخيرا عميما، وارتياحا مقيما، وروحا وريحانا ونعيما.
وكثيرا ما أحكي للإخوان أني استغرقت أربعة أشهر بحضرته، وتوفّرت على خدمته، ولازمت في أكثر أوقاتي عالي مجلسه، وتعطّرت [عند ركوبه] بغبار موكبه فبالله يمينا كنت غنيّا عنها لو خفت حنثا [3] فيها إني ما أنكرت طرفا من أخلاقه ولم أشاهد إلّا مجدا وشرفا من أحواله. وما رأيته اغتاب غائبا، أو سبّ حاضرا، أو حرم سائلا، أو خيّب آملا، أو أطاع سلطان الغضب في الحضر، أو تسلّى بنار الضّجر في السّفر، أو بطش بطش المتجبّر ولا وجدت المآثر إلّا ما يتعاطاه، والمآثم إلّا ما يتخطّاه.
وقال في فصل منه يصفه: وأما فنون الأدب فهو ابن بجدتها [4] ، وأخو جملتها، وأبو عذرتها [5] ، ومالك أزمّتها، وكأنما يوحى إليه في الاستئثار بمحاسنها، والتفرّد ببدائعها، ولله هو إذا غرس الدّرّ في [أرض] القراطيس، وطرّز بالظلام رداء النهار، وألقت بحار خواطره جواهر البلاغة على أنامله، فهناك الحسن برمّته، والحسن بكلّيته.
(1) نسبة إلى خسرو بن أنو شروان، من ملوك العجم. محيط المحيط (خسر) .
(2) نسبة إلى صنعاء التي ينسب إليها جودة الصنعة. معجم البلدان (ج 3ص 425) .
(3) الحنث: الخلف في اليمين، والذنب. محيط المحيط (حنث) .
(4) ابن بجدتها: العالم بالشيء، والبجدة: باطن الأمر. محيط المحيط (بجد) .
(5) أبو عذرتها: أول من افتضّ بكرها، والعذرة: البكارة. محيط المحيط (عذر) .