وقال أبو الفتح البستي: [البسيط]
لا تنكرنّ إذا أهديت نحوك من ... علومك الغرّ أو آدابك النّتفا
فقيّم الباغ قد يهدي لمالكه ... برسم خدمته من باغه التّحفا [1]
وكتب أبو إسحاق الصابي إلى عضد الدولة في هذا المعنى: العبيد تلاطف ولا تكاثر الموالي في هداياها، والموالي تقبل الميسور منها قبولا هو محسوب في عطاياها. ولما كان أدام الله تعالى عزّه! مبرّزا على ملوك الأرض في الخطر الذي قصّروا عنه شديدا، والسعي الذي وقفوا منه بعيدا، والآداب التي عجزوا عن استعلامها فضلا عن علمها، والأدوات التي نكلوا [2] عن استفهامها فضلا عن فهمها، وجب أن يعدل عن اختياراتهم فيما تحظى به الجسوم البهيمية، إلى اختياره فيما تخطى به النفوس العليّة، وعمّا ينفق في سوقهم العامية، إلى ما ينفق في سوقه الخاصية، إفرادا لرتبته العليا، وغايته القصوى، وتمييزا له عمن لا يجري معه في هذا المضمار، ولا يتعلّق منه بالغبار: وقد حملت إلى الخزانة عمرها الله! شيئا من الدفاتر وآلة النجوم، فإن رأى مولانا أن يتطوّل [3] على عبده بالإذن في عرض ذلك عليه مشرّفا له وزائدا في إحسانه إليه فعل إن شاء الله تعالى.
وأهدى أبو الطيب المتنبي إلى أبي الفضل بن العميد في يوم نوروز قصيدة مدحه فيها، يقول في آخرها [4] : [الخفيف]
كثر الفكر كيف نهدي كما ته ... دي إلى ربّها الرئيس عباده [5]
والّذي عندنا من المال والخي ... ل فمنه هباته وقياده
فبعثنا بأربعين مهارا [6] ... كلّ مهر ميدانه إنشاده
فارتبطها فإنّ قلبا نماها ... مربط تسبق الجياد جياده
وفي هذه الكلمة يقول وقد احتفل فيها، واجتهد في تجويد ألفاظها ومعانيها، فعقّب عليه أبو الفضل في مواضع وقف عليها فقال [7] : [الخفيف]
(1) الباغ: الطّيب. المنجد في اللغة والأعلام (بيغ) .
(2) نكل عن استفهامها: نكص عنها. لسان العرب (نكل) .
(3) يتطوّل: يتفضّل. لسان العرب (طول) .
(4) ديوان المتنبي (ص 576) .
(5) في الديوان: «أهدت» بدل «تهدي» .
(6) في الأصل: «مهار» . والمهار: جمع مهر. لسان العرب (مهر) .
(7) ديوان المتنبي (ص 575574) .