وقال أزدشير بن بابك: إن للأذهان كلالا، وللقلوب ملالا، ففرّقوا بين الحكمتين يكن ذلك استجماما.
ويروى في حكمة آل داود: لا ينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من أربع عدّة لمعاده، وصلاح لمعاشه، وفكر يقف به على ما يصلحه من فساده، ولذة في غير محرّم يستعين به على الحالات الثلاث.
وما أحسن ما قال أبو الفتح بن كشاجم: [الرمل]
عجبي ممّن تناهت حاله ... وكفاه الله ذلّات الطلب
كيف لا يقسم شطري عمره ... بين حالين نعيم وأدب؟
ساعة يمتع فيها نفسه ... من غذاء وشراب منتخب
ودنوّ من دمى هنّ له ... حين يشتاق إلى اللّعب لعب
فإذا ما نال من ذا حظّه ... فحديث ونشيد وكتب
مرّة جدّ، وأخرى راحة ... فإذا ما غسق الليل انتصب
فقضى الدنيا نهارا حقّها ... وقضى لله ليلا ما وجب
تلك أقسام متى يعمل بها ... دهره يسعد ويرشد ويصب
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: قسّم كسرى أيامه فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس لقضاء الحوائج.
قال الحسين ابن خالويه [1] : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ولكن نبيّنا، صلى الله عليه وسلم، قد جزّأ نهاره ثلاثة أجزاء:
جزء لله، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثم جزء جزأه بينه وبين الناس فكان يستعين بالخاصّة على العامة، وكان يقول: أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي فإنه من أبلغ [ذا سلطان] حاجة من لا يستطيع إبلاغها آمنه الله تعالى يوم الفزع الأكبر.
وقال شبيب بن شيبة [2] : إن ابتليت بمقام لا بدّ لك فيه من الإطالة فقدّم إحكام
(1) في الأصل: «الحسن» وقد صوّبناه عن كتب التراجم، وهو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه، النحوي اللغوي، المتوفّى سنة 370هـ. ترجمته وفيات الأعيان (ج 2ص 178) والفهرست (ص 92) ويتيمة الدهر (ج 1ص 107) ومعجم الأدباء (ج 3ص 99) وبغية الوعاة (ص 231) .
(2) هو شبيب بن شيبة بن عبد الله التميمي المنقزي، أديب الملوك وجليس الفقراء، من مشاهير الخطباء،