كأنّ فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحان يمتزجان
ومن منثوره: لا يزال الإخوان يسافرون في المودّة، حتى يبلغوا الشّقة، فإذا بلغوها ألقوا عصا التّسيار، واطمأنّت بهم الدار، وأقبلت وفود النصائح، وأمنت خبايا الضمائر، فحلّوا عقد التحفّظ، ونزعوا ملابس التخلّق.
وله: سار فلان في جيوش عليهم أردية السيوف، وأقمصة الحديد، وكأنّ رماحهم قرون الوعول [1] ، وكأنّ دروعهم زبد السيول، على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمدّ بالنّقع سرادقها [2] ، قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الرّق [3] ، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللّجين [4] ، وقرّطت عذرا كأنها الشّنف [5] ، تتلقّف الأعداء أوائله ولم تنهض أواخره، قد صبّ عليهم وقار الصبر، وهبّت معهم ريح النّصر.
وله في عليل: آذن الله في شفائك، وتلقّى داءك بدوائك، ومسح بيد العافية عليك، ووجّه وفد السلامة إليك، وجعل علّتك ماحية لذنوبك، مضاعفة لثوابك.
وكتب إلى عبيد الله بن سليمان بن وهب [6] في يوم عيد: أخّرتني العلّة عن الوزير أعزّه الله، فحضرت بالدعاء في كتاب لينوب عنيّ، ويعمر ما أخلته العوائق مني، وأنا أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العيد أعظم الأعياد السالفة بركة على الوزير، ودون الأعياد المستقبلة فيما يحبّ ويحبّ له، ويقبل ما توسّل به إلى مرضاته، ويضاعف الإحسان إليه، على الإحسان منه، ويمتّعه بصحبة النعمة ولباس العافية، ولا يريه في مسرّة نقصا، ولا يقطع عنه مزيدا، ويجعلني من كل سوء فداء، ويصرف عيون الغير عنه، وعن حظّي منه.
وله إلى بعض الرؤساء: لا تشن حسن الظّفر بقبح الانتقام، وتجاوز عن كل مذنب
(1) الوعول: جمع وعل وهو تيس الجبل. محيط المحيط (وعل) .
(2) النّقع: الغبار. السّرادق: الفسطاط الذي يمدّ فوق صحن البيت. محيط المحيط (نقع) و (سردق) .
(3) الرّقّ، بفتح الراء وتشديد القاف. جلد رقيق يكتب فيه. محيط المحيط (رقق) .
(4) الأسورة: جمع سوار وهو حلية كالطوق تلبسه المرأة في زندها. اللجين: الفضة. محيط المحيط (سور) و (لجن) .
(5) العذر: جمع عذار وهو جانبا اللحية، أي الشعر الذي يحاذي الأذن. الشّنف: القرط الأعلى. محيط المحيط (عذر) و (شنف) .
(6) عبيد الله بن سليمان بن وهب: وزير من أكابر الكتّاب، استوزره المعتمد العباسي وأقرّه بعد المعتضد. توفي سنة 288هـ. ترجمته في وفيات الأعيان (ج 3ص 122) وفوات الوفيات (ج 2 ص 434) والكامل في التاريخ (ج 7ص 510) والأعلام (ج 4ص 194) .