والمنايا مراتب يتفاضل ... ن وبالمرهفات موت الكرام
لم يزر نفسه رسول المنايا ... بصنوف الأوجاع والأسقام
هابه معلنا فدبّ إليه ... في ستور الدّجى بحدّ الحسام
أخذ هذا المعنى عبد الكريم بن إبراهيم التيمي، فقال يرثي عيسى بن خلف، صاحب خراج المغرب، وكان قد تناول دواء فمات بسببه: [الطويل]
منايا سددت الطّرق عنها ولم تدع ... لها من ثنايا شاهق متطلّعا
فلمّا رأت سور المهابة دونها ... عليك ولما لم تجد فيك مطمعا
ترقّت بأسباب لطاف ولم تكد ... تواجه موفور الجلالة أروعا
فجاءتك في سرّ الدواء خفيّة ... على حين لم تحذر لداء توقّعا
فلم أر ما لا يتّقى مثل سهمها ... ولا مثلها لم تخش كيدا فترجعا
وقد رثاه البحتري ويزيد المهلبي بمرثيتين من أجود ما قيل في معناهما، وكانا حاضرين ليلة قتله. فاختفى أحدهما في طيّ الباب، والآخر في قناة الشاذروان فمن قصيدة البحتري [1] : [الطويل]
تغيّر حسن الجعفريّ وأنسه ... وقوّض بادي الجعفريّ وحاضره
تحمّل عنه ساكنوه فجاءة ... فآضت سواء دوره ومقابره [2]
ولم أر مثل القصر إذ ريع سربه ... وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره [3]
وإذ صيح فيه بالرّحيل فهتّكت ... على عجل أستاره وستائره
إذا نحن زرناه أجدّ لنا الأسى ... وقد كان قبل اليوم يبهج زائره
فأين عميد الناس في كل نوبة [4] ... تنوب وناهي الدهر فيهم وآمره
تخفّى له مغتاله تحت غرّة ... وأولى لمن يغتاله لو يجاهره
صريع تقاضاه السيوف حشاشة ... يجود بها والموت حمر أظافره
حرام عليّ الراح بعدك أو أرى ... دما بدم يجري على الأرض مائره
وهل يرتجى أن يطلب الدم طالب ... مدى الدهر والموتور بالدم واتره [5]
(1) ديوان البحتري (ج 1ص 4745) .
(2) في الديوان: «فعادت» بدل «فآضت» وآضت: صارت. لسان العرب (أوض) .
(3) في الديوان: «ولم أنس وحش» بدل «ولم أر مثل» . والأطلاء: جمع طلا وهو ولد الظبية. والجآذر:
جمع جؤذر وهو ولد البقرة الوحشية. محيط المحيط (طلا) و (جذر) .
(4) في الديوان: «وأين» بدل «فأين» .
(5) في الديوان: «أرتجي» بدل «يرتجى» . والموتور: هو الواتر لأن الذي قتل المتوكل هو ابنه الذي