فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 993

طالب رضي الله عنه! فأساء مخاطبته فدعا عليه وعلى ولده بالعمى، فكلّ من عمي منهم صحيح النسب!

قال الصولي: حدّثني أبو العيناء، قال: لما أدخلت على المتوكل فدعوت له وكلّمته استحسن كلامي، وقال لي: بلغني أنّ فيك شرّا! فقلت: يا أمير المؤمنين، إن يكن الشرّ ذكر المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فقد زكّى الله تعالى وذمّ، فقال في التزكية: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوََّابٌ} [1] ، وقال في الذمّ: {هَمََّازٍ مَشََّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنََّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} [2] .

وقال الشاعر: [الطويل]

إذا أنا لم أمدح على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذمّما [3]

ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه ... وشقّ لي الله المسامع والفما؟

وإن كان الشرّ كفعل العقرب التي تلسع السّنيّ والدنيّ بطبع لا بتمييز، فقد صان الله عبدك عن ذلك!

فقال لي: بلغني أنك رافضيّ، فقلت: يا أمير المؤمنين، وكيف أكون رافضيّا وبلدي البصرة ومنشئي في مسجد جامعها، وأستاذي الأصمعي، وليس يخلو القوم أن يكونوا أرادوا الدين أو الدنيا فإن كانوا أرادوا الدّين فقد أجمع الناس على تقديم من أخّروا، وتأخير من قدّموا، وإن كانوا أرادوا الدنيا فأنت وآباؤك أمراء المؤمنين، لا دين إلّا بك، ولا دنيا إلّا معك.

قال: كيف ترى داري هذه؟ قال: قلت: رأيت الناس بنوا دورهم في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك.

فقال لي: ما تقول في عبيد الله بن يحيى؟ قلت: نعم العبد لله ولك مقسّم بين طاعته وخدمتك، يؤثر رضاك على كلّ فائدة، وما عاد بصلاح ملكك على كل لذّة.

قال: فما تقول في صاحب البريد ميمون بن إبراهيم؟ وكان قد علم أني واجد عليه بتقصير وقع منه في أمري فقلت: يا أمير المؤمنين، يد تسرق واست تضرط! وهو مثل اليهوديّ سرق نصف جزيته، فله، إقدام بما أدّى، وإحجام بما أبقى، إساءته طبيعة، وإحسانه تكلّف!

(1) سورة ص 38، الآية 30.

(2) سورة القلم 68، الآيتان 11، 12.

(3) الجبس: الفاسق والرديء والجبان واللئيم. القاموس المحيط (جبس) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت