فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 993

قال: قد أردتك لمجالستي، قلت: لا أطيق ذاك، وما أقول ذلك جهلا بما لي في هذا المجلس من الشرف، ولكني محجوب، والمحجوب تختلف عليه الإشارة، ويخفى عليه الإيماء، ويجوز أن يتكلّم بكلام غضبان ووجهك راض أو بكلام راض ووجهك غضبان، ومتى لم أميّز بين هذين هلكت، قال: صدقت، ولكن تلزمنا، قلت: لزوم الفرض الواجب اللازم، فوصلني بعشرة آلاف درهم.

ولأبي العيناء مع المتوكّل مجالس أدخل الرواة بعضها في بعض، وسأورد مستظرفها إن شاء الله:

قال له المتوكل يوما: يا أبا العيناء، لا تكثر الوقيعة في الناس، قال: إنّ لي في بصري لشغلا عن الوقيعة فيهم، قال: ذلك أشدّ لحيفك في أهل العافية!

وقال له يوما: هل رأيت طالبيا حسن الوجه قطّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت أحدا قطّ سأل ضريرا عن هذا؟ قال: لم تكن ضريرا فيما تقدّم، وإنما سألتك عما سلف، قال: نعم، رأيت منهم ببغداد منذ ثلاثين سنة فتى ما رأيت أجمل منه، قال المتوكّل: تجده كان مؤاجرا، وتجدك كنت قوّادا عليه! فقال أبو العيناء: وفرغت لهذا يا أمير المؤمنين، أتراني أدع مواليّ على كثرتهم، وأقود على الغرباء؟ قال: اسكت يا مأبون [1] ؟ قال: مولى القوم منهم! قال المتوكل: أردت أن أشتفي به منهم فاشتفى لهم منّي.

وكان أبو العيناء أحدّ الناس خاطرا، وأحضرهم نادرة، وأسرعهم جوابا، وأبلغهم خطابا.

والمتوكل أوّل من أظهر من خلفاء بني العباس الانهماك على شهوته، وكان أصحابه يتسخّفون ويستخفّون بحضرته، وكان يهاتر الجلساء، ويفاخر الرؤساء، وهو مع ذلك من قلوب الناس محبّب، وإليهم مقرّب إذ أمات ما أحياه الواثق من إظهار الاعتزال، وإقامة سوق الجدال.

قال محمد بن مكرم الكاتب: من زعم أنّ عبد الحميد أكتب من أبي العيناء إذا أحسّ بكرم، أو شرع في طمع، فقد ظلم.

كتب إلى أبي عبيد الله بن سليمان وقد نكبه وأباه المعتمد، وهما يطالبان بمال يبيعان له ما يملكانه من عقار وأثاث وعبد وأمة، وقد أعطي بخادم أسود لعبيد الله خمسون دينارا:

(1) المأبون: المتّهم بالشّرّ. القاموس المحيط (أبن) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت