إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيّب [1]
وينخرط في سلك هذا المعنى مقامة [2] من مقامات الإسكندري في الكدية [3] ، ممّا أنشأه بديع الزمان وأملاه في شهور سنة خمس وثمانين وثلثمائة. قال البديع:
حدّثنا عيسى بن هشام قال: حضرنا مجلس سيف الدولة يوما وقد عرض عليه فرس: [الطويل]
متى ما ترقّ العين فيه تسهّل
فلحظته الجماعة فقال سيف الدولة: أيكم أحسن صفته، جعلته صلته فكلّ جهد جهده، وبذل ما عنده فقال أحد خدمه: أصلح الله الأمير! رأيت بالأمس رجلا يطأ الفصاحة بنعليه [4] ، وتقف الأبصار عليه، يسلّي الناس، ويشفي الياس، ولو أمر الأمير بإحضاره، لفضلهم بحضاره [5] .
فقال سيف الدولة: عليّ به في هيئته، فصار الخدم في طلبه، فجاءوا للوقت به، ولم يعلموه لأيّ حال دعي به، ثمّ قرّب واستدني، وهو في طمرين قد أكل الدهر عليهما وشرب [6] ، وحين حضر السّماط، لثم البساط، ووقف. فقال سيف الدولة: بلغتنا عنك عارضة [7] ، فاعرضها في هذا الفرس وصفه. فقال: أصلح الله الأمير! كيف به قبل ركوبه ووثوبه، وكشف عيوبه [وغيوبه] ؟ فقال: اركبه، فركبه وأجراه، ثم قال: أصلح الله الأمير! هو طويل الأذنين، قليل الاثنين، واسع المراث [8] ، ليّن الثّلاث، غليظ الأكرع [9] ، غامض الأربع، شديد النّفس، لطيف الخمس، ضيق القلت [10] ، رقيق السّتّ، حديد
(1) الشّيات: جمع شية، وشية الفرس: لونه. القاموس المحيط (وشى) .
(2) في الصحيفة التي تلي هذه المقامة شرح واف لهذه المقامة، قام به مؤلّف هذ الكتاب، لذا سنكتفي بشرح ما لم يشرحه المؤلف.
(3) الكدية: شدّة الدهر، والمراد هنا الاستجداء. القاموس المحيط (كدي) .
(4) يطأ الفصاحة بنعليه: أي إنه فصيح بليغ لا نظير له في الفصاحة.
(5) يقال: ناقة حضار إذا جمعت قوة وجودة سير. القاموس المحيط (حضر) .
(6) الطّمر، بكسر الطاء وسكون الميم: الثوب الخلق. القاموس المحيط (طمر) . وقوله: أكل الدهر عليهما وشرب: كناية عن أنهما باليان.
(7) العارضة: البديهة. محيط المحيط (عرض) .
(8) المراث، بفتح الميم والراء: خوران الفرس وهو المبعر. القاموس المحيط (روث) و (خور) .
(9) الأكرع: جمع كراع وهو مستدقّ الساق. القاموس المحيط (كرع) .
(10) القلت، بفتح القاف وسكون اللام: النّقرة في الجبل، والمراد هنا النقرة في رأس الورك. القاموس المحيط (قلت) .