وقال إسماعيل بن القاسم، أبو العتاهية، يمدح عمر بن العلاء [1] : [الكامل]
إنّي أمنت من الزمان وريبه ... لمّا علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حرّ الوجوه نعالا
ما كان هذا الجود حتى كنت يا ... عمر، ولو يوما تزول لزالا
إنّ المطايا تشتكيك لأنّها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا [2]
فإذا وردن بنا وردن مخفّة ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا
وهي قصيدة سهلة الطبع، سلسلة النظام، قريبة المتناول.
وروي أنّ عمر بن العلاء وصله عليها بسبعين ألف درهم، فحسدته الشعراء، وقالوا: لنا بباب الأمير أعوام نخدم الآمال، ما وصلنا إلى بعض هذا! فاتصل ذلك به، فأمر بإحضارهم، فقال: بلغني الذي قلتم وإنّ أحدكم يأتي فيمدحني بالقصيدة يشبّب فيها فلا يصل إلى المدح حتى تذهب لذّة حلاوته، ورائق طلاوته وإنّ أبا العتاهية أتى فشبّب بأبيات يسيرة، ثم قال: إنّ المطايا تشتكيك لأنّها وأنشد الأبيات. وكان أبو العتاهية لمّا مدحه بهذا الشعر تأخّر عنه برّه قليلا، فكتب إليه يستبطئه: [الطويل]
أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنّشر [3]
أصابتك عين في سخائك صلبة ... ويا ربّ عين صلبة تفلق الحجر
سنرقيك بالأشعار حتى تملّها ... فإن لم تفق منها رقيناك بالسّور
وقال: [البسيط]
يا ابن العلاء ويا ابن القرم مرداس ... إني مدحتك في صحبي وجلّاسي [4]
أثني عليك ولي حال تكذّبني ... فيما أقول فأستحيي من النّاس
حتى إذا قيل: ما أولاك من صفد ... طأطأت من سوء حالي عندها راسي [5]
فأمر حاجبه أن يدفع إليه المال، وقال: لا تدخله عليّ، فإني أستحيي منه.
وذكر بعض الرواة أنّ المهدي خرج متصيّدا، فسمع رجلا يتغنّى من القصيدة التي
(1) لم ترد الأبيات في ديوان أبي العتاهية.
(2) السّباسب: جمع سبسب وهو المفازة. القاموس المحيط (سبسب) .
(3) التمائم: جمع تميمة وهي خرزات كان الأعراب يعلّقونها على أولادهم يتّقون بها النفس أي العين بزعمهم. النّشر: جمع نشرة وهي رقية يعالج بها المريض. محيط المحيط (تمم) و (نشر) .
(4) القرم، بفتح القاف وسكون الراء: الفحل. محيط المحيط (قرم) .
(5) الصّفد، بفتح الصاد والفاء: العطاء. القاموس المحيط (صفد) .