تارة في خشونة الدّهر تلقا ... هـ وطورا في حسن ذات الوشاح
ملك كلّما بدا نقف الأف ... لاك عجبا به وفرط ارتياح
هكذا هكذا تكون المعالي ... طرق الجدّ غير طرق المزاح
وهي طويلة، كتبتها على طريق الاختيار.
رقعة لبديع الزمان إلى شمس المعالي، وقد ورد حضرته:
لم تزل الآمال أطال الله بقاء الأمير السيد شمس المعالي، وأدام سلطانه تعدني هذا اليوم، والأيام تمطلني بألسنة صروفها، على اختلاف صنوفها، بين حلو استرقّني، ومرّ استخفّني، وشرّ صار إليّ، وخير صرت إليه، وأنا في خلال هذه الأحوال أذرع الآفاق فأكون طورا مشرقا للمشرق الأقصى، وطورا مغربا للمغرب، ولا مطمح إلّا حضرته الرفيعة، وسدّته المريعة، ولا وسيلة إلّا المنزع الشّاسع، والأمل الواسع وقد صرت أطال الله بقاء الأمير مولانا بين أنياب النوائب، وتجشّمت هول الموارد، وركبت أكتاف المكاره، ورضعت أخلاف العوائق، ومسحت أطراف المراحل، حتى حضرت الحضرة البهيّة أو كدت، وبلغت الأمنية أو زدت، وللأمير السيد في الإصغاء إلى المجد، والبسط من عنان الفضل، بتمكين خادمه من المجلس يلقاه بقدمه، والبساط يلثمه بفمه، تفضّله، فله الرأي العالي إن شاء الله.
وله إلى بعض الرؤساء وقد وعد بحضور مجلسه بالغداة وأمره أن يزفّ إليه ما أنشأه، فبعث به وكتب إليه:
مرحبا بسلام الشيخ سيّدي ومولاي أطال الله بقاه، ولا كالمرحب بطلعته وقد وصلت تحيّته فشكرتها، وعدته الجميلة بالحضور غدا فانتظرتها ودعوت الله أن يطوي ساعات النهار، ويزجّ الشمس في المغار، ويقرّب مسافة الفلك الدّوّار، ويرفع البركة من سيره، ويجهز الحركة إلى دوره ويسرّني بوفد الظلام وقد نزل، ثم لم يلبث إلّا ريثما رحل وقد بعثت بما طلب سمعا لأمره وطاعة، والنسخة أسقم من أجفان الغضبان، والشيخ سيدي أدام الله عزّه يركض قلمه في إصلاحها، وحبّذا هو في غد، وقد طلع كالصبح إذا سطع، والبرق إذا لمع: [الكامل]
يا مرحبا بغد ويا أهلا به ... إن كان إلمام الأحبّة في غد
وله إلى أبي الطيب سهل بن محمد يسأله أن يصله بأبي إبراهيم إسماعيل بن أحمد:
لو كان للكرم عن جناب الشيخ منصرف لانصرفت، أو للأمل منحرف إلى سواه نحرفت، أو للنّجح باب سواه لولجت، أو للفضل خاطب غيره لزوّجت، ولكن أبى الله
أن يعقد إلّا عليه الخنصر، أو يتحلّى إلّا بفواضله الدهر، ولا يزال كذا يتّسم المجد بسمته، ويجذب العلاء بهمّته، ويسعد الدين بنظره، والدنيا بجماله، وغلامه أنا لو استعار الدّهر لسانا، واتّخذ الريح ترجمانا، ليشيع إنعامه حقّ الإشاعة، لقصرت به يد الاستطاعة، فليس إلّا أن يلبس مكارمه صافية سابغة، ويرد مشارعه صافية سائغة، ويحيل الجزاء على يد قصور، والشكر على لسان قصير ثم إنّ حاجاتي، إذا لم يعر من قلائد المجد نحرها، ولم يعطل من حلي المجد صدرها، كبر مهرها، وعزّ كفؤها، ولم أجد لها إلّا واحدا أخضر الجلدة في بيت العرب، أو ماجدا يملأ الدّلو إلى عقد الكرب (1) . وهذه حاجة أنا أزفّها إلى الشيخ الإمام حرص الله مهجته، وأسوقها منظومة من الصّدر إلى العجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز (2) وأنا من مفتتح اليوم إلى مختتمه، ومن قرن النهار إلى قدمه، قاعد كالكركيّ (3) ، أو الديك الهندي، في هذا الأدحيّ (4) ، يمرّ بي أولو الحلى والحلل، ويجتاز ذو والخيل والخول (5) ، وما أنا والنّظر إلى ما لا يليني، والسؤال عمّا لا يعنيني، واليوم، لمّا افتضضنا عذرة الصباح، ملأت جفوني من منظر ما أحوجه إلى عيب يصرف عين كماله، عن جماله، فقلت لمن حضر: من هذا؟ فأخذوا يحرّكون الرؤوس استظرافا لحالي، ويتغامزون تعجّبا من سؤالي، وقالوا: هذا الشيخ الفاضل أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد، فقلت: حرس الله مهجته، وأدام غبطته فكيف الوصول إلى خدمته، وأنّى مأتى معرفته؟ قالوا: إن الشيخ الإمام أدام الله تأييده يضرب في مودّته بالقدح المعلّى، ويأخذ في معرفته بالحظّ الأعلى، فإن رأى الشيخ أطال الله بقاه أن تجعل عنايته حرف الصلة، وتفضّله لام المعرفة، فعل، إن شاء الله.