فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 993

وأشرف بي على الفناء، لولا ما تدارك الله بجميل صنعه، وحسن دفعه ولا أعلم كيف احتالوا، ولا ما الّذي قالوا وبالجملة غيّروا رأي السلطان، وأشار عليّ إخواني، بمفارقة مكاني، وبقيت لا أعلم أيمنة أضرب أم شآمة، ونجدا أقصد أم تهامة: [الطويل]

ولو كنت في سلمى أجا وشعابها ... لكان لحجّاج عليّ دليل

وقد علم الشيخ أن ذلك السلطان سماء إذا تغيّم لم يرجع صحوه، وماء إذا تغيّر لم يشرب صفوه، وملك إذا سخط لم ينتظر عفوه، وليس بين رضاه والسخط عوجة، كما ليس بين غضبه والسيف فرجة، ولسي من وراء سخطه مجاز، كما ليس بين الحياة والموت معه حجاز فهو سيّد يغضبه الجرم الخفيّ، ولا يرضيه العذر الجلي وتكفيه الجناية وهي إرجاف، ثم لا تشفيه العقوبة وهي إجحاف، حتى إنه ليرى الذنب وهو أضيق من ظلّ الرمح، ويعمى عن العذر وهو أبين من عمود الصّبح وهو ذو أذنين يسمع بهذه القول وهو بهتان، ويحجب عن هذه العذر وله برهان وذو يدين يبسط إحداهما إلى السفك والسفح، ويقبض الأخرى عن العفو والصفح وذو عينين يفتح إحداهما إلى الجرم، ويغمض الأخرى عن الحلم، فمزحه بين القدّ والقطع، وجدّه بين السيف والنّطع، ومراده بين الظهور والكمون، وأمره بين الكاف والنون ثم لا يعرف من العقاب، غير ضرب الرقاب، ولا يهتدي من التأنيب إلّا لإزالة النعم، ولا يعلم من التأديب غير إراقة الدم، ولا يحتمل الهنة على حجم الذرة، ودقة الشعرة، ولا يحلم عن الهفوة، كوزن الهبوة، ولا يغضي عن السقطة، كجرم النقطة ثم إن النقم بين لفظه وقلمه، والأرض تحت يده وقدمه، لا يلقاه الولي إلّا بفمه، ولا العدو إلّا بدمه والأرواح بين حبسه وإطلاقه، كما أنّ الأجسام بين حلّه ووثاقه فنظرت فإذا أنا بين جودين إمّا أن أجود ببأسي، وإمّا أن أجود برأسي، وبين ركوبين إمّا المفازة، وإمّا الجنازة، وبين طريقين إما الغربة، وإمّا التربة، وبين فراقين إمّا أن أفارق أرضي، أو أفارق عرضي، وبين راحلتين إمّا ظهور الجمال، وإمّا أعناق الرجال، فاخترت السماح بالوطن، على السماح بالبدن وأنشدت: [الطويل]

إذا لم يكن إلّا المنيّة مركب ... فلا رأي للمحمول إلّا ركوبها

ولّد ما ذكر من «كعبة [المحتاج، لا كعبة] الحجّاج» ، من قول أبي تمام [1] :

[الكامل]

بيتان حجّهما الأنام فهذه ... حجّ الغنيّ، وتلكم للمعدم

(1) لم يرد البيت في ديوان أبي تمام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت